من نيويورك إلى القاهرة.. تحركات مصرية مكثفة على 5 مسارات لاحتواء أزمات المنطقة

كتبت: أميرة عمارة

في أسبوع حافل بالتحركات الدبلوماسية، تحولت مشاركة مصر في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مساحة واسعة للتحرك على أكثر من ملف إقليمي ودولي، بالتزامن مع متابعة القاهرة لعدد من القضايا التي تمس أمن المنطقة واستقرارها، وفي مقدمتها غزة والسودان واليمن وأمن الممرات البحرية.

وعلى مدار الأيام الأخيرة، كثف الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، لقاءاته واتصالاته مع مسؤولين ووزراء خارجية ومبعوثين دوليين، في محاولة لدفع المسارات السياسية وخفض حدة التوترات الإقليمية، بالتوازي مع تحركات تستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي وحضور مصر في المؤسسات الدولية.

حيث احتل الملف الفلسطيني مساحة بارزة في التحرك المصري بنيويورك، ولم يقتصر النقاش على التطورات الإنسانية وضرورة إدخال المساعدات، بل امتد إلى اليوم التالي للحرب، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار.

واستضاف وزير الخارجية اجتماعًا وزاريًا بمقر بعثة مصر لدى الأمم المتحدة حول التعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، بمشاركة مسؤولين ووزراء من دول عربية وأوروبية وآسيوية، إلى جانب رئيس الوزراء الفلسطيني بصورة افتراضية.

كما استضاف عبد العاطي مائدة مستديرة رفيعة المستوى حول التعافي المبكر في غزة، بمشاركة مصر وألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية وعدد من الأطراف الدولية، تحت عنوان «من شرم الشيخ إلى المرحلة الثانية: ترسيخ السلام والتعافي المبكر».

وفي اجتماع آخر تناول النفاذ الإنساني والرعاية الصحية، أكدت مصر أهمية ضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية بصورة آمنة وكاملة ومستدامة، إلى جانب تيسير الإجلاء الطبي وتوفير الاحتياجات اللازمة لتشغيل المستشفيات والمنشآت الحيوية.

ولم يغب السودان عن أجندة التحرك المصري، إذ بحث عبد العاطي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، تطورات الأزمة السودانية، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع وتهيئة الظروف أمام حلول سياسية عبر الحوار والتفاوض.

كما جاء الملف السوداني ضمن الاتصالات المصرية مع أطراف دولية وإقليمية خلال اجتماعات الجمعية العامة، في ظل تركيز القاهرة على المسار السياسي إلى جانب التعامل مع التداعيات الإنسانية للأزمة.

ومع استمرار حساسية الوضع في البحر الأحمر، عاد الملف اليمني إلى واجهة التحرك المصري، حيث بحث وزير الخارجية مستجدات الأزمة اليمنية مع المبعوث الأممي هانس جروندبرج، في إطار التشاور بشأن التطورات والجهود الرامية إلى دعم المسار السياسي.

ويتقاطع هذا الملف بصورة مباشرة مع قضية أمن الملاحة، التي حضرت بقوة في التحركات المصرية بنيويورك، حيث شدد عبد العاطي خلال الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان على أهمية ضمان حرية الملاحة الكاملة والآمنة، باعتبارها مرتبطة باستقرار التجارة الدولية والاقتصاد العالمي.

وفي موازاة ملفات غزة والسودان واليمن، حضرت التطورات المرتبطة بإيران وأمن مضيق هرمز في لقاءات الوزير واتصالاته.

وخلال لقاءاته واتصالاته الإقليمية، أكدت مصر أهمية خفض التصعيد والعودة إلى المسارات السياسية والدبلوماسية، إلى جانب الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، بما يحمي حركة التجارة وسلاسل الإمداد الدولية.

وفي هذا السياق، قال عبد العاطي في مقابلة إعلامية إن السياسة الخارجية المصرية تقوم على ما وصفه بـ«الالتزام الاستراتيجي»، مع التأكيد على الحوار والمفاوضات ورفض الحلول العسكرية للأزمات.

ولم تقتصر التحركات المصرية على الملفات السياسية والأمنية، إذ شهدت اجتماعات نيويورك لقاءات تناولت العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع عدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا ودول أخرى.

وانتقل هذا المسار إلى القاهرة من خلال لقاء وزير الخارجية بوزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، لبحث توسيع التعاون مع مؤسسات التمويل الدولية وشركاء التنمية، والاستعداد للاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي المقررة في أكتوبر المقبل.

وبالتوازي مع الملفات الإقليمية، حافظ ملف المصريين بالخارج على حضوره في تحركات الوزارة؛ إذ التقى وزير الخارجية في نيويورك عددًا من أبناء الجالية المصرية، كما عقد لقاءً مع المصريين العاملين في الأمم المتحدة، مؤكدًا أهمية التواصل معهم والاستفادة من خبراتهم وتعزيز حضور الكفاءات المصرية في العمل الدولي.

كما شهدت الوزارة في القاهرة تحركًا مؤسسيًا في ملف الهجرة، من خلال متابعة قطاع الهجرة الدولية ومكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، مع التركيز على تعزيز مسارات الهجرة النظامية وانتقال العمالة المصرية، ودعم العودة وإعادة الإدماج، بالتوازي مع مكافحة الجرائم المرتبطة بالهجرة.

وبقراءة مجمل التحركات الأخيرة، يظهر أن أجندة وزارة الخارجية خلال هذه الفترة تحركت على مسارات متوازية: السعي إلى خفض التصعيد في أزمات المنطقة، الدفع نحو حلول سياسية، التعامل مع الملف الإنساني في غزة والسودان، حماية أمن الملاحة، وتوسيع دوائر التعاون الاقتصادي والدولي، إلى جانب إبقاء المصريين بالخارج ضمن أولويات العمل الدبلوماسي.

فلم تكن مشاركة القاهرة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد حضور في المحافل الدولية، وإنما جاءت مصحوبة بسلسلة لقاءات واتصالات وفعاليات امتدت من قضايا الأمن الإقليمي إلى التعافي وإعادة الإعمار والتنمية والاقتصاد وملف المصريين بالخارج.

اترك رد