بدأت الصراعات بين البشر بأسلحة بدائية حولتها إلى حروب طاحنة مع مضي الوقت، بداية من العصر البرونزي الذي شهد ظهور الهراوات الحربية والسيوف، مرورا بالعجلات الحربية ووصولا إلى البنادق والمدفعية، التي غيرت قواعد الاشتباك في حينها.
ورغم أن كل سلاح من هذه الأسلحة منح مالكه طريقا سريعا للانتصار، إلا أن تطور أسلحة الحروب لم يقف عند هذا الحد إذ ظهرت أسلحة الجو والأسلحة المدرعة التي وصلت ذروة استخدامها في الحرب العالمية الثانية، دون أن تحسم نتائجها على مدى سنوات، حتى توصلت الولايات المتحدة الأمريكية للسلاح النووي، الذي استطاع بضربتين فقط في هيروشيما ونجازاكي، أن ينهي الحرب بعدما أجبر الإمبراطورية اليابانية على الاستسلام.
ومع ذلك، لم تتوقف مسيرة تطوير الأسلحة، التي بلغت ذروتها خلال الحرب الباردة وظهور الصواريخ الباليستية العابرة للقارات المزودة برؤوس نووية يمكنها إحراق مدنا بأكملها.
فهل توقف سباق التسلح عند هذا الحد؟
رغم وصول الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي إلى قدرات هجومية يمكنها إحراق الأرض عدة مرات، إلا أن كلاهما اعتمد على استراتيجية “توازن الرعب”، في تطوير قدرات “الثالوث النووي” والوصول لإمكانية إطلاق الأسلحة الذرية من البر والبحر والجو، لتجنب التدمير الكامل في هجمات مباغتة، وكان ذلك بداية لظهور الغواصات النووية، السلاح الأكثر رعبا في العالم حتى الآن.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتراجع سباق التسلح عالميا، عاد العالم لتطور متسارع في أسلحة هجومية أكثر فتكا، بتطوير الطائرات الشبحية والصواريخ الفرط صوتية، التي يمكن لها الوصول إلى سرعات تصل إلى 20 (ماخ) أو 20 ضعف سرعة الصوت المقدرة بـ 1234 كلم في الساعة.
وأصبحت الصين القوة العسكرية الصاعدة ،هي إحدى أكثر الدول تطورا في هذه التقنيات القتالية إضافة إلى روسيا وكوريا الشمالية وإيران، وبعض الدول الأخرى، التي أعلنت عن ذلك دون استخدامها فعليا في الحروب.
استخدام السلاح وفقا لمبادئ الحرب الـ 9
رغم خطورة كل ما سبق من أسلحة فتاكة، إلا أن غالبيتها ليست اقتصادية بالنسبة لدول فقيرة أو دولة تعاني من أزمات اقتصادية، كما أن تطويرها يناسب الصراعات العالمية الكبرى كما هو الحال بالنسبة لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، فتكلفة هذه الأسلحة سيتم تغطيتها إذا نجحت إحدى الدول في فرض هيمنتها على العالم أو حتى تقاسم الهيمنة كما هو الحال بالنسبة لصراع النفوذ بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو الصراع الروسي الأمريكي في القطب الشمالي.
أما الدول النامية، فإن تسليحها يركز بصورة كبيرة على الأهداف الاستراتيجية للدولة التي غالبا ما تكون دفاعية لردع العدو عن التفكير في مهاجمتها.
وفي هذه الحالة، يركز صانعي القرار وواضعي خطط التسلح العسكري على مبدأ “الاقتصاد في استخدام القوة العسكرية” سواء عن طريق حجم الأسلحة أو تكلفتها، وهو المبدأ الذي وجد ضالته في الطائرات المسيرة العسكرية “الدرونز”، التي أصبحت قادرة على إلحاق أكبر خسائر ممكنة بالعدو بأقل تكلفة.
ومع تطور صناعة الدرونز بصورة كبيرة وانخفاض تكلفة تصنيعها بصورة أكبر، تحولت إلى أحدث وأبرز تحول في تاريخ الأسلحة المستخدمة على نطاق واسع في الحروب الحديثة.
ما سر خطورة الدرونز؟
أصبحت الطائرات المسيرة “الدرونز”، محط أنظار الجيوش الحديثة، بعدما كشفت السنوات الأخيرة، أنه يمكن استخدامها كـ”سلاح ردع” منخفض التكلفة ذو فاعلية عالية.
وفرضت “الدرونز” أسلوبا جديدا في إدارة المعارك الحربية يجمع بين السرعة والدقة والتكلفة المنخفضة، ما جعلها قادرة على تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق أسلحة باهظة الثمن أو حشد قوة عسكرية هائلة لتنفيذها.
وكشفت تجارب استخدام الدرونز في عدة حروب خلال السنوات الماضية، أنها تحولت إلى سلاح لا يمكن للعدو التنبؤ بمستوى خطورته أو تحديد قواعد اشتباك ثابتة للتعامل معه، كما هو الحال بالنسبة للأسلحة التقليدية المستخدمة في الحروب منذ عقود.
ويؤكد ذلك قدرة الطائرات المسيرة على اختراق شبكات دفاع جوي شديدة التحصين متعددة الطبقات لم تفلح أسلحة صاروخية وطائرات هجومية متطورة في اختراقها، ما يعني أن هذا السلاح الرخيص أجبر القادة العسكريين تغيير فهمهم للحروب الحديثة وقاد العديد من الدول إلى التركيز على فهم أساليب الحروب المكشوفة، التي لا تصلح معها دروع صاروخية كانت تجعل الوصول إلى بعض المواقع شبه مستحيل، قبل ظهور المسيرات.
ففي الحروب الدائرة حاليا في عدة نقاط ملتهبة حول العالم، تستطيع الطائرات المسيرة سواء استطلاعية أو قتالية أو مدمجة، أن توفر مراقبة مستمرة لنقل البيانات والصور لحظة بلحظة إلى مراكز القيادة لساعات طويلة، تجعل عملية المناورة الدفاعية للخصم غير فعالة، خاصة إذا كانت الطائرة مصمم للاستطلاع والهجوم معا.
فالمهمة التي كانت تنفذها بصعوبة طائرات استطلاع مأهولة لساعات محدودة وتتطلب بعد ذلك انطلاق طائرات هجومية للقضاء على الهدف، أصبح من الممكن تنفيذها بطائرة مسيرة واحدة تستطيع البقاء في الجو لأكثر من 20 ساعة متواصلة انتظارا للهدف، الذي يمكنها إطلاق صاروخا نحوه في ثوان معدودة، خاصة إذا كانت قادرة على نقل البيانات لمراكز القيادة لحظة بلحظة.
وبفضل ما سبق يمكن القول إن الدرونز أعادت كتابة قواعد الحرب، حيث أصبحت المعارك تعتمد بدرجة متزايدة على التكنولوجيا والذكاء وسرعة الاستجابة أكثر من اعتمادها على التفوق العددي أو قوة الأسلحة التقليدية أو حتى النووية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم