لم تكن البرتقالة التي أخرجها الحاج محمد من بين أغراضه مجرد ثمرة يتقاسمها مع زوجته بعد رحلة سفر طويلة.. كانت اختصارًا لعمر كامل عاشه الرجل إلى جوار الحاجة أم أحمد.
من الصعيد، استقلا القطار متجهين إلى القاهرة، يحمل كل منهما ما تبقى من قوته، ويمضيان في رحلة اعتادا أن يقطعاها معًا، هذه المرة إلى مولد السيدة زينب.
كان الحاج محمد يسير بعكازه، خطواته بطيئة، وجسده لم يعد يحتمل مشقة السفر والزحام كما كان في سنوات الشباب، لكنه لم يكن يواجه الطريق وحده.
كانت الحاجة أم أحمد بجواره.
هو يسندها بعكازه حين تتعب.. وهي تسنده بحضورها حين يثقل عليه الطريق.
لم يعد العمر يسمح لهما بالمشي سريعًا، لكنهما لم يتخلفا عن موعدهما مع المكان الذي يحمل في قلبيهما الكثير.
خطوات قليلة.. ثم توقف.
تعب السفر والزحام كانا قد تركا أثرهما، فجلس الزوجان ليستريحا على أرض السيدة زينب.
لا مطعم فاخر، ولا مائدة عامرة، ولا حتى وجبة كبيرة.
كانت هناك برتقالة واحدة.
أمسكها الحاج محمد، وقسمها بينه وبين زوجته.
نصف له..
ونصف للحاجة أم أحمد.
جلسا يأكلانها بهدوء، بعدما أنهكهما الطريق، وكأنهما لم يتعلما في سنوات عمرهما الطويلة سوى قاعدة واحدة: كل شيء بينهما بالنصف.. حتى التعب والراحة والبرتقالة.
المشهد ربما مر أمام عشرات الزائرين دون أن يلتفت إليه أحد، لكنه كان يحمل حكاية أكبر من مجرد زوجين يستريحان بعد رحلة.
الحاج محمد لم يكن مجرد رجل يحمل عكازًا.
كان رجلًا وصل به العمر إلى أن يحتاج هو نفسه لمن يسنده، ومع ذلك ظل حريصًا على أن يسند زوجته.
والحاجة أم أحمد لم تكن مجرد سيدة ترافق زوجها.
كانت رفيقة رحلة قطعت معه سنوات طويلة، حتى أصبح وجودها إلى جواره نوعًا آخر من القوة.
عكاز في يد.. وزوجة في اليد الأخرى.
وبعد أن انتهيا من البرتقالة، لم تنتهِ الرحلة.
نهضا مرة أخرى.
عاد الحاج محمد إلى عكازه، وعادت الحاجة أم أحمد إلى جواره، وسارا معًا نحو المسجد لأداء الصلاة.
ربما كانت خطواتهما أبطأ من خطوات الشباب، وربما احتاجا إلى التوقف أكثر من مرة، لكنهما وصلا في النهاية.
فالرحلة لم تكن بالنسبة إليهما مجرد طريق من الصعيد إلى القاهرة.
كانت رحلة أخرى من نوع مختلف..
رحلة يثبت فيها اثنان أن الونس الحقيقي لا يظهر وقت القوة، وإنما يظهر عندما يضعف الجسد وتصبح الخطوة ثقيلة.
سنوات العمر مرت، وملامحهما تغيرت، والعكاز أصبح جزءًا من رحلة الحاج محمد، لكن شيئًا لم يتغير:
أن يظل أحدهما بجوار الآخر.
في تلك اللحظة، لم تكن البرتقالة برتقالة.
كانت نصفين متساويين من حكاية واحدة.
نصف للحاج محمد..
ونصف للحاجة أم أحمد..
تمامًا مثل العمر الذي عاشاه معًا؛
نصفه تعب.. ونصفه راحة، نصفه مرض.. ونصفه عافية، لكن الأجمل أن الاثنين عاشاه سويًا.
وبينما كان الزائرون يتوافدون إلى مولد السيدة زينب، كانت قصة الزوجين القادمين من الصعيد تقول شيئًا أبسط وأصدق من كل الكلمات:
الحب مش إنك تمشي مع اللي بتحبه وقت ما الطريق يكون سهل.. الحب إنك لما الطريق يتعبك، تفضل مستنيه، وتسنده، وتقسم معاه حتى نص البرتقالة.
ثم دخلا للصلاة..
وتركا خلفهما على أرض السيدة زينب مشهدًا صغيرًا، ربما لا يتكرر كثيرًا:
رجل بعكازه يسند زوجته.. وزوجة تسند عمر رجل.. وبرتقالة انقسمت نصفين، لكنها حكت قصة عمر كامل.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم