مقالات

هيام أحمد تكتب: «إذا خسر الملك»

في حياة بعض الرجال كما في خرائط السياسة، هناك دائمًا ملوك يظنون أن السيطرة أبدية، وأن العرش وحده كفيل بأن يمنحهم الخلود. بعضهم يجعل من النساء رقعة شطرنج يثبت بها ذكاءه، وبعضهم يجعل من الشعوب أرقامًا في معادلة سلطته. كلاهما يلتقيان عند وهمٍ واحد: أن الملك لا يُهزم، وأن اللعبة لا تنتهي إلا بإشارته..ولكن إذا خسر الملك؟
الخسارة هنا لا تعني سقوط مقعد أو فقدان امرأة، بل إنهيار منظومة كاملة من الوهم. فالمرأة التي وُضعت كأداة تستعيد نفسها يومًا والشعب الذي قُهر يثور ليستعيد كرامته. بعض الرجال يتوهمون أن امتلاك القلوب لعبة، كما يتوهم الملوك أن امتلاك العروش أبدية، لكن الحقيقة أن الخائن في مشاعره، والطاغية في سلطانه، يشتركان في مصير واحد: فإذا خسر الملك، خسر كل شيء.

الخيانة في جوهرها وهم بالقوة، سواء في علاقة أو في سياسة. فالرجل الذي يطارد النساء يظن نفسه غالبًا، لكنه في الحقيقة أسير ضعف داخلي ومرض، وكل امرأة تمر في حياته تكشف جزءًا من عجزه. وكذلك الحاكم الذي يبني عرشه على قهر الشعوب يتصور أن الخوف يحفظ ملكه، بينما هو في الحقيقة يزرع بذور سقوطه.
وعند تلك اللحظة يقف الملك، أيًّا كان عرشه، أمام فراغ يبتلعه أكثر من السقوط نفسه. وهنا تتجلى الحقيقة: أن قهر النساء في الحياة الخاصة هو الوجه الآخر لقهر الشعوب في السياسة.

فالغرور يفتح أبواب الصراع، والمنافسة المحمومة على النفوذ تُشعل نيرانًا لا يطفئها سوى دماء الأبرياء. والنتيجة دائمًا واحدة: يدفع البشر الثمن، بينما يظن الملك أنه المنتصر. لكن غرور الملك يجعله يعتقد أنه يحكم الأرض، وهو في الحقيقة أسيرٌ لصراعاته الداخلية قبل أن يكون سجينًا لصراعات العالم من حوله.فالخائن يقهر قلبًا ضعيفًا ليشعر بقوته، والحاكم يقهر أمة كاملة ليؤكد سلطانه. كلاهما يستخدم السلطة بلا عدل، فيخسر إنسانيته قبل أن يخسر مكانته. والتاريخ شاهد: كم من عروش عظيمة سقطت فجأة لأن أصحابها بنوا قوتهم على الخوف لا على الثقة، وعلى القهر لا على العدل؟ إن الملك الذي يتوهم أن الخوف سياج ملكه، يكتشف متأخرًا أن الكرسي كان قيدًا له قبل أن يكون قيدًا على الآخرين. وما بين الاثنين يتجلى الدرس: أن القهر لا يدوم، وأن الغلبة لا تصنع رجولة، بل تكشف زيفها.وحين يخسر الملك، لا يخسر سلطانه وحده، بل يخسر رجولته أمام نفسه والتاريخ،

وتلك هي الهزيمة التي لا يرحمها زمان ولا يداويها وجدان.اللَّهُمَّ إنّا نعوذ بك من همٍّ يقصم ظهورنا، وحزنٍ يُعمي قلوبنا، ونعوذ بك من غلبة الدَّين وقهرِ الرجال. فإذا خسر الملك، فلن يسقط عرشه فقط، بل يسقط وهمه، وتنكشف حقيقته، ويُمحى اسمه من ذاكرة القوة ليبقى شاهدًا على أن العدل هو الملك الوحيد الذي لا يُهزم.اللَّهُمَّ مالكَ الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى