وزارة الدولة للإعلام تدعو لفضاء رقمي آمن.. ضياء رشوان: الحضور الرقمي رصيد وطني.. وصابر حارص: رجاءً لا نتفاعل دون تحقق.. وعبدالمحسن سلامة: إسقاط الدول من الداخل يبدأ بمثل هذه الأكاذيب
كتب: محمود حسن محمود
في ظل اتساع الحضور المصري على منصات التواصل الاجتماعي، ووفقاً لمؤشرات القومي لتنظيم الاتصالات وصل عدد المستخدمين النشطين إلى نحو 54.3 مليون مستخدم خلال عام 2026، حيث تتزايد الحاجة إلى بناء فضاء رقمي أكثر أمنا ومسؤولية، يحافظ على حرية الرأي والتعبير، وفي الوقت نفسه يواجه الشائعات والمعلومات المضللة وانتهاك الخصوصية والتشهير والتحريض.
ودعا الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام المواطنين وصناع المحتوى والمؤثرين إلى المشاركة في بناء فضاء رقمي مصري أكثر أمانًا ومسؤولية، يقوم على تحري الدقة قبل النشر أو المشاركة، واحترام خصوصية الأفراد والأسر، وصون قيم المجتمع المصري، والالتزام بأدب الاختلاف، وعدم نشر أو إعادة تداول أي محتوى يتضمن سبًا أو قذفًا أو تشهيرا أو تنمرا أو تهديدا أو ابتزازًا أو تحريضا على العنف أو التمييز أو ارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون.

وقال وزير الدولة للإعلام، إن قوة الحضور الرقمي المصري على شبكة الإنترنت تمثل رصيدا وطنيا غاليا، أسهم في تعزيز الحضور الثقافي والرياضي والسياسي المصري، وإبراز إبداعات المصريين في مختلف المجالات، وإظهار قدرتهم على التفاعل وصناعة المحتوى وإثراء النقاش العام، ونقل صورة مصر وثقافتها ومواقفها إلى جماهير واسعة في الداخل والخارج.
وأوضح رشوان أن الحفاظ على هذا الحضور الرقمي المؤثر وتنميته يتطلبان قدرا أكبر من الوعي والمسؤولية المشتركة بين الدولة والمواطنين، مشيراً إلى أن الحسابات الشخصية والصفحات والقنوات الرقمية أصبحت تسهم بصورة أو بأخرى في تشكيل المجال العام ورسم الصورة الرقمية للوطن.
54.3 مليون مستخدم.. مسؤولية تتسع مع اتساع الحضور الرقمي
وأشار وزير الدولة للإعلام إلى أن مؤشرات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تعكس اتساع الحضور الرقمي المصري، إذ بلغ عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في عام 2026 نحو 54.3 مليون مستخدم نشط، بما يؤكد المساحة الكبيرة التي أصبحت تشغلها هذه المنصات في حياة المصريين، مؤكدا بأن هذا الانتشار الواسع يضاعف الحاجة إلى تعزيز الوعي الرقمي، والتحقق من المعلومات قبل نشرها أو مشاركتها، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الحسابات مجهولة المصدر أو المقاطع المجتزأة.
أستاذ إعلام: نصنع الترند دون تحقق فنقع في الظلم

ومن جانبه، حذر الدكتور صابر حارص، أستاذ الإعلام المتفرغ بجامعة سوهاج، من خطورة التعامل مع المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي باعتباره حقيقة لمجرد انتشاره أو ظهوره في مقطع فيديو.
وقال حارص إن المجتمع قد يصنع أحيانًا «الترند» دون التحقق من صحة الواقعة، التي يتناولها الفيديو أو المنشور، ثم يتبين لاحقا أن الحقيقة جاءت على عكس ما تم تداوله، إلا أن الاعتراف بالخطأ يصبح أكثر صعوبة بعد وصول المحتوى إلى أعداد كبيرة من المستخدمين.
وأكد أستاذ الإعلام: «فنحبط أن نعترف، فنقع جميعا في الظلم.. رجاء رجاء لا نتفاعل دون تحقق»، محذرا من أن التفاعل السريع مع محتوى غير موثوق قد يحول المستخدم من مجرد متلقٍ إلى طرف مشارك في انتشار معلومة قد تضر بأشخاص أو مؤسسات أو المجتمع بأكمله.
وأشار حارص إلى أن السوشيال ميديا حولت العلوم المختلفة إلى علوم بينية، لا يمكن رؤيتها من منظور واحد أو حصرها في تخصص بعينه، موضحا أن معظم ظواهر الإعلام، إن لم يكن جميعها، تشابكت مع العلوم الاجتماعية والإنسانية.
وأضاف أن علوم الإعلام نفسها شهدت تحولًا كبيراً إذ تراجعت الحدود التقليدية بين تخصصات الصحافة والإذاعة والتليفزيون والعلاقات العامة، لتندرج جميعها تحت مظلة أوسع هي «الإعلام الرقمي».
عبدالمحسن سلامة: السوشيال ميديا ليست «أوضة ضلمة» لإطلاق الشائعات

وفي السياق ذاته، حذر الكاتب الصحفي عبدالمحسن سلامة، عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في تصريحات متلفزة، من خطورة تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة مفتوحة لنشر الشائعات واختلاق الوقائع والأحداث الوهمية.
وقال سلامة إن بعض ممارسات السوشيال ميديا تشبه، في تعبيره، «واحد قاعد في أوضة ضلمة قاعد بيخرف»، مشيرا إلى أن هناك من يستخدم هذه المنصات لإطلاق الشائعات واختراع أحداث وتداول أشياء غير حقيقية وغير منطقية.
وأكد أن الوقت قد حان، من وجهة نظره، لوجود قانون منظم ورادع وواضح للسوشيال ميديا، مع وضع ضوابط تحدد المسؤوليات بصورة أكثر دقة، كما شدد سلامة على أن الدعوة إلى تنظيم منصات التواصل الاجتماعي لا تعني الوقوف ضد حرية الرأي أو الانتقاد، قائلاً : «أي حد من حقه أن ينتقد»، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الممارسة إلى أكاذيب وتضليل ووقائع وهمية، مضيفاً أن «إسقاط الدول من الداخل بتبدأ بمثل هذه الأكاذيب»، محذرا من أن انتشار المعلومات الكاذبة بصورة واسعة قد يتجاوز كونه مجرد منشورات فردية، ليتحول إلى عامل مؤثر في الأمن المجتمعي والثقة العامة.
ثغرة الـ5000 متابع
وأشار عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى ما وصفه بثغرة في الإطار القانوني الحالي، موضحا أن الصفحة الشخصية للمستخدم على مواقع التواصل الاجتماعي، وفقاً لما أشار إليه، لا تدخل في نطاق سلطة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلا عند وصولها إلى 5000 متابع.
وأكد أن هذه المسألة تحتاج إلى إعادة نظر وتشديد الضوابط، بما يضمن وجود إطار أكثر وضوحاً لتنظيم المحتوى الرقمي، خاصة مع التطور المتسارع في تأثير الصفحات الشخصية والحسابات الفردية، كما دعا إلى وضع ضوابط تتعلق باستخدام الأطفال والصغار لمنصات التواصل الاجتماعي، أسوة بما يجري في عدد من الدول، بما يحقق حماية أكبر للفئات العمرية الصغيرة من المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للفضاء الرقمي.
بين حرية التعبير ومواجهة التضليل
وتتفق الرؤى المطروحة على أن التحدي لا يكمن في تقييد حرية الرأي، وإنما في إيجاد توازن بين حماية هذا الحق وبين مواجهة الأكاذيب والتضليل وانتهاك حقوق الآخرين، حيث أكدت وزارة الدولة للإعلام أن حرية الرأي والتعبير والنقد حق أصيل، وأن حماية هذا الحق تتكامل مع صون كرامة المواطنين وسمعتهم وحياتهم الخاصة، وشددت على أن الاختلاف، مهما كان حادا، لا يبرر الإساءة، وأن النقد لا يعني التشهير، كما أن حق الجمهور في المعرفة لا يبيح نشر الاتهامات غير الموثقة أو المعلومات والصور الشخصية التي تنتهك خصوصية الأفراد والأسر.
ودعت وزارة الدولة للإعلام كل من يتعرض لتهديد أو ابتزاز أو تشهير أو انتهاك للخصوصية عبر المنصات الرقمية إلى توثيق المحتوى والرابط والحساب وتاريخ النشر ووقته، والاحتفاظ بالرسائل والملفات في صورتها الأصلية، وعدم الدخول في مساومات أو الرد بإساءة مماثلة،كما طالبت المتضررين بالتقدم ببلاغ إلى الجهات المختصة أو النيابة العامة، مؤكدة أنه في حالات التهديد الجدي أو الابتزاز المستمر ينبغي التواصل الفوري مع الجهات الأمنية وعدم مواجهة المعتدي بصورة منفردة.
وتخضع الوقائع، بحسب طبيعتها وملابساتها، لأحكام التشريعات المصرية النافذة، ومنها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، إلى جانب التشريعات الأخرى واجبة التطبيق.
المعركة الحقيقية.. وعي قبل أن تكون قانونا
ومع وصول عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي إلى 54.3 مليون مستخدم نشط، لم تعد المسؤولية الرقمية قضية هامشية، بل أصبحت جزءًا أساسيا من مسؤولية المجتمع عن تشكيل الوعي العام.
وبين دعوة وزارة الدولة للإعلام إلى فضاء رقمي آمن، وتحذير أستاذ الإعلام من صناعة الترند دون تحقق، ومطالبة عبدالمحسن سلامة بضوابط أكثر وضوحا لمواجهة الشائعات والتضليل، تبدو الرسالة واحدة: حرية التعبير لا تتعارض مع المسؤولية، والنقد لا يعني التشهير، والانتشار لا يمنح المعلومة الكاذبة صفة الحقيقة، وفي عالم رقمي تنتشر فيه المعلومة خلال ثوانٍ، قد تكون لحظة واحدة من التحقق كافية لمنع ظلم إنسان، أو وقف شائعة، أو حماية أسرة، أو منع واقعة وهمية من التحول إلى «حقيقة» في أذهان الملايين، فبناء فضاء رقمي مصري آمن لا يتوقف على القانون وحده، وإنما يبدأ أيضاً من المستخدم نفسه؛ من اللحظة التي يقرر فيها أن يتحقق قبل أن يتفاعل، ويفكر قبل أن يشارك، ويدرك أن كل «شير» قد يكون له ثمن.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم