“7 أكتوبر دبلوماسي”.. خبيران يكشفان مخاوف تل أبيب من “الدومينو” الغربي

12 دولة أوروبية في مواجهة إسرائيل.. وبريطانيا تقود التحرك.. (E1) كلمة السر

تقرير: سمر صفي الدين

بعد إعلان بريطانيا حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، انضمت 11 دولة غربية إلى لندن في إعلان الاستعداد لفرض قيود على تجارة المستوطنات. في تحرك يعكس اتساع الفجوة بين إسرائيل وعواصم غربية بشأن مستقبل الضفة الغربية وحل الدولتين.

وأعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، أمام مجلس العموم، فرض حظر على استيراد السلع القادمة من المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، إلى جانب عقوبات تستهدف شركات وأفرادًا يقدمون خدمات مرتبطة بتوسيعها في مجالات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات.

وفرضت بريطانيا كذلك عقوبات على مستوطنين متطرفين اتهموا بدعم أو تشجيع العنف ضد الفلسطينيين، في خطوة جاءت بعد تعليق لندن أكثر من 30 رخصة لتصدير أسلحة استخدمها الجيش الإسرائيلي في غزة.

في ضوء ما سبق، اتفق الباحث في الشؤون الإسرائيلية من حيفا، أمير مخول، والمحلل السياسي الفلسطيني من جنين، الدكتور نعمان توفيق العابد، في تصريحات خاصة لجريدة “اليوم” على أن أهمية التحرك الغربي تتجاوز تأثيره الاقتصادي المباشر، إذ يعكس انتقالاً تدريجيًا من الإدانة السياسية إلى إجراءات عملية.

تصعيد بريطاني متدرج

رفضت لندن طلبات ترخيص جديدة لتصدير أسلحة ومنتجات تساهم بشكل كبير في الاحتلال، بينما لم يقتصر التصعيد البريطاني على الجانب الاقتصادي.

واتهم ميليباند، المولود لمهاجرين يهوديين، الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عن أعمال عنف المستوطنين، وقال إن بريطانيا تقر بأن “تطهيرًا عرقيًا” يجري في الضفة الغربية.

وحذر الوزير البريطاني من أن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية يدعمون “التهجير القسري للفلسطينيين”، مؤكدًا أن الموقف الرسمي البريطاني يعتبر “الاحتلال غير شرعي”.

فيما أوضح أن لندن لا تريد أن تساهم متاجرها في دعم المستوطنات من خلال تداول منتجاتها، في موقف ربط بين الإجراءات التجارية والموقف السياسي من الاحتلال.

12 دولة في مواجهة الاستيطان

لم تبق بريطانيا وحدها في هذا المسار، إذ أعلنت 12 دولة، بينها فرنسا وكندا وإسبانيا وإيرلندا والنرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وبولندا والبرتغال، عزمها فرض قيود وطنية على تجارة السلع مع المستوطنات المخالفة للقانون الدولي، أو دعم فرض قيود أوروبية بهذا الشأن.

وفي بيان مشترك، أكد وزراء خارجية هذه الدول أن التوسع الاستيطاني وأعمال عنف المستوطنين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وأن الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية تقوض حل الدولتين.

وتعهدت الدول الموقعة بالعمل على حماية حل الدولتين، ودعت إسرائيل إلى وقف توسيع المستوطنات ومحاسبة مرتكبي أعمال عنف المستوطنين، مع رفض أي خطوات ترقى إلى ضم الأراضي الفلسطينية أو التهجير القسري للسكان.

مخطط “إي1”.. شرارة التصعيد

في قلب هذا التصعيد يقف مخطط “إي1” الاستيطاني، الذي وصفته الدول الغربية الموقعة على البيان المشترك بأنه “غير مقبول”، لما يحمله من تداعيات مباشرة على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

ويمتد المخطط على نحو 12 كيلومترًا مربعًا بين مستوطنة معاليه أدوميم ومدينة القدس المحتلة، في منطقة تحيط ببلدات عناتا والعيساوية والزعيم والعيزرية وأبو ديس، وهي المناطق التي تُشكل الإطار الحيوي لشرق مدينة القدس.

ويهدف المشروع إلى تعزيز الربط بين معاليه أدوميم والقدس، بما يعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني ويقطع التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية.

كيف بدأ المخطط؟

لفهم المخطط من البداية، تعود القصة إلى نكسة 1967، حين تسارعت وتيرة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية عقب احتلال القدس الشرقية، ضمن سياسة هدفت إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للمدينة وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وفي عام 1975، أسس رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إسحاق رابين مستوطنة معاليه أدوميم شرق القدس، التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكبر المستوطنات وأكثرها توسعًا، بينما خضعت شؤونها المدنية للقوانين العثمانية والأردنية، وتولى جيش الاحتلال السيطرة العسكرية عليها.

وتوسعت المستوطنة مع مرور السنوات لتشكل كتلة استيطانية واسعة تتوسط البلدات والقرى الفلسطينية، ما أسهم في فصل أجزاء من الضفة الغربية عن القدس، وجعل موقعها عنصرًا محوريًا في الخطط الإسرائيلية لإعادة تشكيل محيط المدينة.

وفي بداية تسعينيات القرن الماضي، طرح وزير الإسكان الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون خطة لتوسيع معاليه أدوميم، تضمنت بناء 2500 وحدة سكنية وفنادق ومناطق صناعية، بما يعزز الوجود الاستيطاني الإسرائيلي شرق القدس.

وجمدت حكومة رابين الخطة عام 1992، بالتزامن مع انطلاق مفاوضات “أوسلو” مع منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تعود المشاريع الاستيطانية إلى الواجهة بعد تولي إيهود أولمرت رئاسة بلدية القدس في أكتوبر 1993.

وفي عام 1994، أعلنت الحكومة الإسرائيلية مخططًا لربط معاليه أدوميم بالقدس عبر مشروع استيطاني حمل اسم “إي1″، أي “شرق واحد”، بهدف إنشاء تواصل جغرافي بين المستوطنات الواقعة شمال شرق القدس.

وتضمن المخطط السيطرة على نحو 12 ألفًا و500 دونم من الأراضي، وإنشاء منطقة صناعية تبلغ مساحتها نحو كيلومتر مربع، إلى جانب إقامة 4 آلاف وحدة سكنية و10 فنادق، بما يوسع الكتلة الاستيطانية المحيطة بالقدس.

وصادق وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق موردخاي عام 1997 على المخطط، قبل أن تعتمد الحكومة الإسرائيلية عام 1999 الخارطة الهيكلية لمنطقة “إي1″، التي حملت الرقم “4/420″، وأتاحت لاحقًا إعلان مساحات واسعة من الأراضي “أراضي دولة” وضمها إداريًا إلى معاليه أدوميم.

وأوقفت إسرائيل تنفيذ المخطط عام 2009 تحت ضغط دولي، خصوصًا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكنها أعادت تحريكه في نوفمبر 2012، بعد حصول فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.

وفي السنوات التالية، طرحت الحكومة الإسرائيلية مناقصة لتصميم المشروع قبل تجميدها مجددًا تحت ضغط أمريكي، بينما استُكملت بعض أعمال البنية التحتية بصورة غير رسمية عام 2014.

وعاد المخطط إلى الواجهة سياسيًا عام 2016، عندما أطلق بتسلئيل سموتريتش ويوآف كيش تحركًا داخل الكنيست للمطالبة بفرض “السيادة الإسرائيلية” على معاليه أدوميم، ثم أعيد طرح المشروع ضمن “قانون القدس الكبرى” قبل تعليقه بفعل التدخل الأمريكي.

وتسارعت التحركات عام 2020 بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته للسلام، إذ حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ضوء أخضر لبناء 3500 وحدة استيطانية في منطقة “إي1″، فيما وصف نفتالي بينيت المخطط بأنه خطوة أولى نحو ضم الضفة الغربية.

وتجددت الإجراءات التنفيذية في 2023 و2025، وصولاً إلى مصادقة سلطات الاحتلال في يوليو 2025 على مخططات لربط معاليه أدوميم بشرق القدس، قبل رفض الاعتراضات المقدمة على المشروع والتوصية بالمضي في تنفيذه.

كما أعلن سموتريتش لاحقًا موافقته على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في المنطقة، معتبرًا أن تنفيذ المخطط ينهي عمليًا إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، ويقوض أي تصور لقيام عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية.

إسرائيل ترد

في المقابل، ردت إسرائيل بإجراءات استهدفت بريطانيا مباشرة، بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس ومنع 12 شخصية بريطانية من دخول البلاد، بينهم الزعيم السابق لحزب العمال جيريمي كوربين وعدد من النواب والشخصيات المؤيدة للقضية الفلسطينية.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن الحكومة قررت منع دخول 12 من البرلمانيين والمواطنين البريطانيين لتورطهم في “عمليات معادية للسامية”، كما قررت طرد الممثلين البريطانيين من مراكز توزيع المعونات في قطاع غزة.

وذكر ساعر أيضًا أنه لم يعد مسموحًا لبريطانيا بالمشاركة في مهمة تنسيق تقودها الولايات المتحدة في غزة، وأن التدريب البريطاني لقوات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية سيتوقف.

ورد ساعر على تصريحات نظيره البريطاني بشأن المستوطنات غير الشرعية، قائلًا إن “الشعب الإسرائيلي يدعم بغالبيته العظمى الاستيطان في الضفة الغربية ويعارض إقامة دولة فلسطينية في قلب أرضنا”.

كما أضاف أن العقوبات التي أعلنتها بريطانيا تشكل “تدخلًا سافرًا” في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وفي السياق ذاته، ذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن قائمة المسؤولين المنتخبين والمواطنين البريطانيين الذين قررت إسرائيل منع دخولهم تضم جيريمي كوربين، وزهرة سلطانة، وناز شاه، ودياني أبوت، وهانا سبنسر، وكارلا دينير، وسيان بيري، وإيلي تشونس، وجون ماكدونل، وريتشارد بورغون، وأدريان رامزي، إضافة إلى فهد أنصاري، مدير ومؤسس حركة “Riverway to the Sea” المؤيدة للفلسطينيين.

وصعّد الوزيران الإسرائيليان بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير لهجتهما ضد لندن، فطالب سموتريتش بطرد السفير البريطاني، بينما دعا بن غفير إلى اعتراف إسرائيل بسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند المتنازع عليها مع بريطانيا.

وقال بن غفير في تدوينة عبر منصة إكس: “حان الوقت لكي تعترف دولة إسرائيل علنًا بأن جزر فوكلاند أراض أرجنتينية محتلة، يسرقها البريطانيون بالقوة من الشعب الأرجنتيني، لا يكتفي البريطانيون باحتلال الأراضي، بل يقومون أيضًا بأعمال تنقيب عن النفط فيها، ويسرقون أموال الشعب الأرجنتيني”.

أما زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد، فرغم وصفه القرار البريطاني بأنه “خطأ جسيم”، حمّل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية ما وصفه بـ”عزلة دبلوماسية غير مسبوقة”، معتبرًا أن الحكومة فشلت في منع القرار قبل صدوره.

واشنطن خارج التحالف

بينما تتسع دائرة الدول الأوروبية والغربية الداعمة لفرض قيود على المستوطنات، اختارت الولايات المتحدة مسارًا مختلفًا.

وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن واشنطن لن تنضم إلى الإجراءات البريطانية، وإن شدد على رفض أي خطوات تؤدي إلى تصعيد التوتر في الضفة الغربية.

وفي وقت سابق، نقلت وكالة بلومبيرغ عن مصادر مطلعة أن بريطانيا أبلغت الولايات المتحدة سرًا بأن العقوبات المرتقبة ستكون “رمزية إلى حد كبير”، ولن يكون لها تأثير فعلي على العلاقة الأوسع بين بريطانيا وإسرائيل، سواء في مجالي التجارة أو الأمن.

 الباحث في الشؤون الإسرائيلية من حيفا أمير مخول
الباحث في الشؤون الإسرائيلية من حيفا أمير مخول

إسرائيل تخشى “الدومينو

على صعيد متصل، يرى أمير مخول أن التصعيد الإسرائيلي في مواجهة التحركات البريطانية والأوروبية لم يكن مفاجئًا، في ظل إدراك إسرائيل أن الموقف الغربي تجاه الاستيطان بدأ ينتقل تدريجيًا من مستوى الانتقاد السياسي والإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية.

وفي حديثه لـ”اليوم” يقول مخول إن إسرائيل كانت في مراحل سابقة أكثر حرصًا على صورتها أمام المجتمع الدولي، وعلى تقديم مبررات سياسية وقانونية لسياساتها، وكانت تتعامل مع الضغوط الخارجية من خلال محاولة احتوائها أو الالتفاف عليها.

ويرى أن المشهد تغير اليوم، إذ باتت الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع التصعيد الخارجي بمنطق التصعيد المقابل، حتى عندما يكون مصدره دولاً تعتبرها إسرائيل من أقرب حلفائها.

وفي الوقت ذاته، يشير إلى أن الموقف الإسرائيلي، رغم محاولات التقليل من أهمية العقوبات البريطانية والأوروبية، يعكس في الواقع قلقًا واضحًا من هذه الخطوات، خصوصًا من احتمال ألا تبقى محصورة في إجراءات تستهدف مستوطنين أو جهات مرتبطة بالمستوطنات، بل تتحول إلى مسار أوسع يمس العلاقة بين إسرائيل والدول الأوروبية.

وبحسب مخول، فإن ما يثير القلق الإسرائيلي بصورة أكبر هو احتمال حدوث توافق أو انسجام بين المواقف الأوروبية والموقف الأمريكي، إذ لا تكمن المشكلة بالنسبة لإسرائيل فقط في العقوبات الحالية، التي لا تزال محدودة نسبيًا، وإنما في الرسالة السياسية التي تحملها.

كما يعتبر أن تبني دول أخرى الإجراءات نفسها قد يؤدي إلى اتساع دائرة الضغط تدريجيًا، مشيرًا إلى أن بريطانيا تحديدًا وجهت رسالة سياسية ذات أهمية عندما ربطت إجراءاتها بصورة مباشرة بقضية الاحتلال، واستخدمت بوضوح توصيف الاحتلال باعتباره غير قانوني.

ويرى أن هذا الجانب أكثر أهمية من القيمة الاقتصادية المباشرة للعقوبات، لأن التعامل مع الاحتلال باعتباره قضية قانونية وسياسية يضع أساسًا يمكن البناء عليه في إجراءات لاحقة أكثر اتساعًا.

ويشرح أن إسرائيل لا تخشى بالدرجة نفسها من الإجراءات التي تستهدف مستوطنين أو شركات مرتبطة بالمستوطنات، طالما أنها لا تمتد إلى العلاقات مع إسرائيل كدولة في مجالات أوسع، مثل التجارة العامة والاقتصاد والجامعات ومؤسسات البحث العلمي وغيرها من مجالات التعاون.

لكن انتقال الإجراءات إلى هذه المستويات، بحسب مخول، سيكون أكثر إيلامًا لإسرائيل وأكثر تأثيرًا في حساباتها، خصوصًا إذا تحولت القيود المحدودة إلى مسار أوسع.

وفي هذا السياق، يرى مخول أن إسرائيل قد تكون أكثر اهتمامًا بالموقف الأمريكي من العقوبات البريطانية نفسها، وأن السؤال الأساسي بالنسبة لها هو ما إذا كانت واشنطن ستعترض على الخطوات الأوروبية أم ستسمح لها بالمضي قدمًا.

كما يعتبر أن الصمت الأمريكي، أو عدم مواجهة هذه الإجراءات بصورة مباشرة، قد يحمل بالنسبة لإسرائيل دلالة أكبر من الإجراءات البريطانية المحدودة في ذاتها.

ويستشهد مخول في هذا السياق بجولة السفير الأمريكي مايك هاكابي في بلدة ترمسعيا بالضفة الغربية، وبما تلاها من حديث عن أوامر بإخلاء عدد من البؤر الاستيطانية، معتبرًا أن هذه التطورات تعكس وجود رسائل أمريكية أكثر حزمًا تجاه بعض ممارسات المستوطنين.

ويقرأ هذه التطورات في إطار أوسع، يرى فيه أن واشنطن قد لا تكون مستعدة لمنح الحكومة الإسرائيلية هامشًا مفتوحًا في كل ما يتعلق بالضفة الغربية والاستيطان.

ويصف مخول ما حدث بأنه يشبه، في دلالته داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، “7 أكتوبر دبلوماسيًا”، في إشارة إلى أن إسرائيل لم تكن تتوقع، بحسب تقديره، أن تتخذ دول أوروبية كبرى، وفي مقدمتها بريطانيا، إجراءات وطنية متزامنة بهذا المستوى، رغم العلاقات السياسية والتاريخية الوثيقة التي تجمعها بإسرائيل.

ويحذر من أن الخطوة الأخطر بالنسبة لإسرائيل قد تتمثل في تحول هذه الإجراءات إلى ما يشبه “تأثير الدومينو”، بحيث تلتحق دول أوروبية أخرى بها، وتنتقل العقوبات من قرارات منفردة إلى مسار متعدد الأطراف.

وعندها، وفق مخول، لن تكون القضية مجرد خلاف بين إسرائيل ودولة أوروبية بعينها، بل ستصبح تحولاً في طبيعة العلاقة بين إسرائيل وعدد متزايد من الدول الغربية.

أما الرد الإسرائيلي على بريطانيا، فيراه مخول مؤشرًا أيضًا إلى طبيعة الأزمة التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية، إذ لا تستطيع إسرائيل، بحسب قراءته، الدخول بسهولة في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ولذلك، يتجه جزء من ردها إلى بريطانيا وأوروبا، بما في ذلك إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، واتخاذ إجراءات ضد شخصيات ومسؤولين بريطانيين، ووقف بعض أوجه التعاون المرتبطة بالسلطة الفلسطينية وقطاع غزة.

ويرى أن شدة الرد الإسرائيلي تعكس محاولة لإظهار أن تل أبيب لن تقبل بهذه الإجراءات من دون تكلفة سياسية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن صعوبة مواجهة المصدر الأهم للدعم الأمريكي.

ويضيف أن البعد الداخلي حاضر بقوة في الحسابات الإسرائيلية، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث أصبحت القضية الفلسطينية والاستيطان والضفة الغربية جزءًا من التجاذبات السياسية داخل إسرائيل.

ويشير مخول إلى أن الملف الفلسطيني عاد بصورة أوضح إلى النقاش الانتخابي الإسرائيلي، إلى جانب ملف التحقيقات المتعلقة بأحداث السابع من أكتوبر، وما أثير من تقارير بشأن تحذيرات سبقت الهجوم.

ويرى أن قضية الضفة الغربية والاستيطان ليست بالضرورة موضع إجماع كامل داخل المجتمع الإسرائيلي، رغم قوة اليمين وتنامي نفوذ القوى الداعمة للاستيطان.

ويخلص مخول إلى أن التحول الأهم قد يكون في انتقال التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية من مسارات ثنائية منفردة إلى مقاربة متعددة الأطراف، إقليمية ودولية، وهو ما يتعارض، في تقديره، مع المشروع السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

ويعتبر أن هذا المشروع يقوم على منع قيام دولة فلسطينية والحفاظ على واقع يسمح لإسرائيل بتوسيع سيطرتها على الأرض.

المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور نعمان توفيق العابد
المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور نعمان توفيق العابد

العابد: الأهمية سياسية وقانونية

من جانبه، يرى نعمان العابد، أن التحرك البريطاني والفرنسي والكندي، إلى جانب مواقف الدول الأخرى، جاء نتيجة تراكم طويل من السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

ويشير الباحث الفلسطيني، إلى أن هذا التراكم شمل التوسع الاستيطاني وتصاعد عنف المستوطنين، إلى جانب ما يعتبره تجاوزًا إسرائيليًا متزايدًا للخطوط التي كانت الدول الغربية تكتفي سابقًا بإدانتها سياسيًا.

وفي حديثه لـ”اليوم”، يقول العابد إن حكومة بنيامين نتنياهو والمستوطنين دفعوا باتجاه خطوات أكثر حدة تستهدف الوجود الفلسطيني وتقوض حل الدولتين، الأمر الذي جعل عددًا من الدول الغربية ينتقل من إصدار البيانات إلى البحث عن أدوات عملية للضغط.

ويشير إلى أن هذه الدول كانت أصلاً تعلن التزامها بحل الدولتين وحقوق الشعب الفلسطيني، لكن المشكلة الأساسية، بحسب رأيه، كانت تتمثل في غياب الإجراءات العملية التي تترجم هذه المواقف إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

ومن هنا، تأتي أهمية الخطوة الجديدة، لأنها تنقل الموقف، ولو جزئيًا، من المجال السياسي إلى المجال التنفيذي، بحسب العابد.

ويؤكد أن البيان المشترك للدول المعنية أعاد التأكيد على حل الدولتين والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، مستحضرًا قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر عام 2016، والذي أكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويرى أن لجوء بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات وطنية منفردة يرتبط أيضًا بفشل الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى موقف أوروبي موحد وملزم تجاه الاستيطان، بسبب تباين مواقف الدول الأعضاء ووجود دول تعارض اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إسرائيل.

كما يعطي العابد لبريطانيا أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى تاريخها ودورها في القضية الفلسطينية، معتبرًا أن انتقال لندن إلى إجراءات عملية يحمل دلالة سياسية تتجاوز قيمة العقوبات الاقتصادية نفسها.

ويربط ذلك أيضًا بالضغط الشعبي داخل بريطانيا، وبالاحتجاجات الواسعة على السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، والتي دفعت القضية الفلسطينية إلى مساحة أكبر في النقاش السياسي الداخلي.

لكن العابد يرى تناقضًا في استمرار بعض الدول الغربية، في الوقت نفسه، في التأكيد على رغبتها في الحفاظ على علاقات قوية مع إسرائيل وتعميق الشراكة معها.

ويعتبر أن الموقف الأكثر اتساقًا هو أن تترجم الدول الغربية التزامها بالقانون الدولي وحل الدولتين إلى سياسات شاملة، لا أن تقتصر الإجراءات على المستوطنين أو بعض الشركات والأفراد.

وفي ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، يقلل العابد من حجم التأثير المباشر للعقوبات على الاقتصاد الإسرائيلي، موضحًا أن تجارة منتجات المستوطنات مع الدول المعنية لا تمثل نسبة كبيرة من إجمالي التجارة الإسرائيلية.

كما يشير إلى صعوبة الفصل العملي بين المنتجات القادمة من المستوطنات وتلك القادمة من داخل إسرائيل، وإمكان محاولة إدخال منتجات المستوطنات إلى الأسواق الخارجية تحت توصيف “صنع في إسرائيل”.

لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن محدودية الأثر الاقتصادي لا تعني محدودية أهمية الخطوة، لأن قيمتها الأساسية، في تقديره، سياسية وقانونية، خصوصًا إذا تحولت إلى مسار متراكم تتبناه دول أخرى.

ويشدد العابد على أن الإجراءات لا ينبغي أن تتوقف عند المستوطنين، لأن الاستيطان، بحسب رؤيته، ليس مشروعًا منفصلًا عن السياسة الإسرائيلية الرسمية، بل يحظى بدعم حكومي وتشريعي وحماية عسكرية.

ولذلك، يرى أن تحميل أفراد أو جهات استيطانية وحدهم المسؤولية لا يعالج أصل المشكلة، داعيًا إلى التعامل مع السياسات الحكومية التي تسمح بتوسع الاستيطان.

ومن هنا، يدعو العابد الدول الغربية إلى الانتقال من سياسة إدانة الاستيطان إلى مساءلة السياسات الحكومية التي تسمح بتوسعه، وربط العلاقات مع إسرائيل بمدى التزامها بالقانون الدولي ووقف الاستيطان وتقويض حل الدولتين.

وفي المقابل، يرى أن على السلطة الفلسطينية تكثيف تحركها الدبلوماسي والإعلامي، وعدم الاكتفاء ببيانات الترحيب بالخطوات الدولية.

ويثني في هذا السياق على النشاط الإعلامي والدبلوماسي للسفير الفلسطيني لدى بريطانيا حسام زملط، داعيًا إلى أن تقوم السفارات الفلسطينية الأخرى ووزارة الخارجية والقيادة الفلسطينية بدور مماثل في شرح الموقف الفلسطيني وحشد الدعم الدولي.

ويعتبر العابد أن المطلوب من الدول الغربية التي تدعم إسرائيل هو أن تتعامل مع الفلسطينيين أيضًا باعتبارهم طرفًا يستحق الدعم السياسي والحقوقي، بما يشمل دعم صمودهم وحقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

اترك رد