تسليم البشير للجنائية الدولية.. عدالة أم ورقة ضغط على السودان؟

عاد الجدل مجددًا حول تسليم الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن شهدت الآونة الأخيرة تحركات من مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية للمطالبة بتسليم البشير ومسؤولين آخرين متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور.

غير أن هذه المطالبات تُثير تساؤلات حول البعد القانوني والسياسي في مثل هذه القضايا، وما إذا كانت التحركات الأخيرة تخضع لحسابات سياسية أكثر منها قانونية.

وبين الوجهين القانوني والسياسي، تبقى مسألة تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية محكومة بحسابات دولية معقدة؛ فالجانب القانوني يمنح السودان خيارات بديلة، بينما يضع الجانب السياسي القضية في إطار ضغوط دولية متزايدة.

وتأسيسًا على ما سبق، يطرح هذا التقرير إجابات محتملة للتساؤل التالي: هل سيتم تسليم البشير بالفعل، أم أن هذه التحركات ستبقى مجرد أوراق ضغط في لعبة المصالح الدولية؟

الوجه القانوني لتسليم البشير

يُفترض أن المحكمة الجنائية الدولية تعمل وفق مبادئ قانونية بحتة، وتحديدًا ضمن إطار ميثاق روما الذي ينظم عملها، ووفقًا لهذا الميثاق، فإن اختصاص المحكمة هو اختصاص تكميلي للاختصاص القضائي الوطني، وليس اختصاصًا أصيلًا، بمعنى آخر، لا تتدخل المحكمة إلا عندما تعجز السلطات الوطنية أو تمتنع عن إجراء محاكمات عادلة وفعالة.

في زيارته الأخيرة إلى السودان، أشار المدعي العام للمحكمة، كريم خان، إلى إمكانية اللجوء إلى خيارات أخرى غير التسليم المباشر، مثل تشكيل محكمة مختلطة تضم قضاة سودانيين ودوليين، أو إجراء محاكمات وطنية تستوفي معايير العدالة الدولية.

ويبدو أن هذا الطرح يأخذ في الاعتبار التغيرات التي شهدها السودان بعد الإطاحة بالبشير، مما قد يسمح للنظام القضائي السوداني بمعالجة القضية داخليًا.

الوجه السياسي في قضية البشير

على الجانب الآخر، فإن تدخل مجلس الأمن في قضية تسليم البشير يضيف بُعدًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، فمن المعلوم أن المحكمة الجنائية الدولية تأسست خارج إطار الأمم المتحدة، نتيجة لاعتراض بعض الدول على منح مجلس الأمن سلطة الإحالة إلى المحكمة.

وعلى الرغم من ذلك، قام المجلس في 2005 بإحالة قضية دارفور إلى المحكمة بموجب الفقرة 13 من ميثاق روما.

ومع ذلك، فإن هناك تحفظات قانونية كثيرة حول هذه الإحالة، خاصة أن مجلس الأمن لا يملك حق الإحالة إلى محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. فكيف يُمنح هذا الحق للمحكمة الجنائية الدولية؟ هذا التساؤل يعكس التداخل بين القانون والسياسة في قرارات مجلس الأمن.

الضغط السياسي أم العدالة الدولية؟

تعقيبًا على هذا السؤال، قال الأكاديمي السوداني، وأستاذ القانون الدولي، أحمد المفتي، إنه من اللافت أن مجلس الأمن لم يمارس سلطته بتأجيل المحاكمة، وهو ما يُثير تساؤلات حول توقيت تجديد المطالبات بتسليم البشير.

المفتي، وهو مؤسس مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان، يرى أنه وفقًا لميثاق روما، يمكن لمجلس الأمن تأجيل محاكمة أي متهم لمدة عام واحد، لكنه لم يستخدم هذا الحق، مما جعل قضية البشير معلقة لسنوات.

عطفًا على ما سبق، يعتقد المفتي، حسب ما نشره على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، أن التفسير الأكثر ترجيحًا هو أن الموافقة الأخيرة على تسليم البشير وآخرين من مسؤولي نظامه السابق، مثل عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون، تأتي في سياق ضغوط سياسية وليس بدوافع قانونية.

وأضاف أن بعض أعضاء مجلس الأمن عبروا عن موافقتهم على التسليم بصورة غير رسمية، مما يعني أن الأمر قد لا يكون نابعًا من قرار حاسم بل مجرد مناورة سياسية، ربما خشية استخدام بعض الدول الكبرى حق النقض (الفيتو).

اترك رد