مقالات

الإعلامية هيام أحمد | تكتب «أسوأ من العاصفة»

العاصفة نعرفها ونتهيأ لها، لكن ماذا نفعل حين يتحول الإنسان نفسه إلى عاصفة لا تهدأ ؟ إلى ريحٍ مسمومة لا تترك خلفها إلا الخراب في هذا العالم لم تعد الرياح هي التي تقتلع جذورنا، بل أيدٍ بشرية تتقن فن الخراب، وجوه قريبة منا لكنها أشد قسوة من أي عاصفة،أخطر ما في هذا العالم ليس العاصفة التي تقتلع الأشجار، بل الإنسان الذي يقتلع المعاني ويقتل الضمير. أقسى من الريح التي تهدم البيوت، هو الوجه الذي يبتسم وهو يخفي خنجره. فالعاصفة تمر وتترك خلفها أنقاضًا يمكن أن تُبنى من جديد، أما خيانة البشر فتترك ندوبًا لا يمحوها الزمن،

أنتم فعلًا أسوأ من العاصفة، أنتم الذين أحرقتم الأغصان وهي في عز خضرتها، ومزقتم العش فوق الشجرة، وتركتم صغار الطيور تائهين في فراغ بلا مأوى. أنتم الذين فرقتم الأرواح عن دفئها، وزرعتم في القلوب خوفًا لا يزول. لقد تغيّر القريب قبل الصديق، وسقطت قيمة العهد تحت أقدام المصلحة، حتى أصبح الغدر مألوفًا والخيانة وجهًا مألوفًا،ومعظم البشر اليوم ليسوا إلا انعكاسًا صغيرًا لما تمارسه الدول الكبرى على الشعوب،يطرقون أبوابنا باسم الحرية، ثم يدخلون ليحملوا خيراتنا،يتحدثون عن السلام وأيديهم ملوثة بالدماء، وعن الإنسانية وقلوبهم جرداء من الرحمة،الحروب لا تولد من فراغ، إنها تبدأ من قلب صغير امتلأ بالجشع.

ثم تكبر ككرة نار تلتهم أرضًا بعد أرض، وشعبًا بعد شعب،أنتم أسوأ من العاصفة لأن العاصفة صادقة، لا تزيف ولا تخدع، تأتي وتمضي، أما أنتم فتكذبون وتدّعون وتتركون وراءكم خرابًا يتوارثه الأبناء عن الآباء،والعبرة هنا أن أخطر عدو في حياة الإنسان ليس من يسقطه أرضًا، بل من يقتل داخله القدرة على النهوض. ومن يظن أن الشعوب ستبقى صامتة إلى الأبد لم يفهم بعد أن الرماد يخفي تحت أنفاسه جمرة قادرة على إحراق كل طاغية،ليست الطبيعة من تهزم الإنسان، بل الإنسان حين يفقد إنسانيته؛ عندها يصبح أسوأ من العاصفة، أشد قسوة من الرياح، وأطول بقاءً من الخراب،ومع ذلك، ورغم الألم ورغم الخراب، فإن الحياة لا تُهزم،الشجرة ستورق من جديد، الطائر سيبني عشًا جديدًا، والشعوب مهما انكسرت ستنهض، لأن جذور الحق أعمق من كل طوفان.

ولأن نور الحقيقة أبقى من كل ظلام،إلى الأجيال القادمة؛ لا تسمحوا لليأس أن يسكن قلوبكم، فالحياة أقوى من كل خراب. أنتم بذرة الأمل التي ستنبت عدلًا وسلامًا في أرض أنهكها الطغيان،اللهم لا تجعل قلوبنا مأوى للخذلان، ولا أوطاننا مسرحًا للدمار. اللهم أجعل لكل ضعيف قوة ولكل مظلوم نصيرًا، ولكل جائع رزقًا، ولكل أرض جذرًا يحميها من الطامعين. اللهم أزرع في هذا العالم القاسي بذرة عدل لا تذبل، وسلامًا لا تهزمه ريح. اللهم آمين يارب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى