
تقرير: مروة محي الدين
تتصاعد روائح بارود أمريكي، من البحر الكاريبي قرب الشواطئ الشمالية لأمريكا اللاتينية، في عملية قرصنة جديدة من الكولونيالية العظمى للدولة صاحبة الثروات والمعادن- فنزويلا، لكنها ليست جزءا من فيلم هوليودي، بطله ذلك القرصان، الذي يحارب قراصنة الشيطان، لمنع مخططاتهم الشيطانية وتحقيق هدف خير، إنما يقودها ذلك السمسار، الذي يجلس في البيت الأبيض، حاكما لأقوى دول العالم، طامعًا في تحويلها لإمبراطورية، تمتلك كل ما يلوح بريقه في عيني الإمبراطور.
ومن هنا، كان لابد من تجريم كل همسة مقاومة لأطماع الإمبراطور، فبين تهديدات مباشرة، واتهامات بالإجرام والإتجار في المخدرات، صعدت الإدارة الأمريكية نبرتها الهجومية، وتحركاتها العسكرية في المنطقة شمالي الدولة المستهدفة، ما وصفه “ديوسدادو كابيلا”- وزير الداخلية الفنزويلي- في سبتمبر الماضي: بأنه “محاولة لاستفزازهم ودفعهم إلى ردود فعل متهورة تؤدي للتصعيد”.
نذير الحرب

كانت أخر تصريحات التصعيد بين البلدين، ما قاله الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو”، الأربعاء 22 أكتوبر 2025، حين أكد وجود الإمكانيات العسكرية لديه لمواجهة التهديدات الأمريكية، حيث يملك 5 آلاف صاروخ مضاد للطائرات.
وذلك عقب نشر الإدارة الأمريكية عدد من القطع العسكرية، والأسلحة المتطورة، وقوات عمليات خاصة من النخبة، تشمل فوج الطيران السري 160، وطائرات هيليكوبتر كبيرة للنقل والهجوم، في منطقة بحر الكاريبي شمال فنزويلا- حسب صحيفة ولو ستريت جورنال.
وبلغ التصعيد ذروته بضرب الولايات المتحدة سفينة قبالة السواحل الفنزويلية، لتقتل 6 ممن على متنها، فيما ترددت أنباء بنجاة شخصين أو ثلاثة آخرين، وما لبث الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن أعلن ضرب غواصة محملة بالمخدرات في ذات المنطقة، وعلل وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” تلك الهجمات بأنها في إطار الجهود الأمريكية لمكافحة تجار المخدرات.
وكأن الإدارة الأمريكية وصيا على العالم لضبط حركته، أعلنت وسائل إعلام أمريكية أن السلطات الأمريكية منحت وكالة (CIA) تفويضا، للقيام بعمليات سرية في فنزويلا، ما أدانته إدارة “مادورو”، واصفة تلك التصريحات بأنها العدوانية والمتطرفة، كما ردت على الهجمات الأمريكية فطالبت مجلس الأمن بتجريمها، وإصدار بيان يدعم سيادتها.
وبينما سعت كاراكاس للتهدئة، فكشفت للسلطات الأمريكية مخططًا للهجوم على سفارتها في البلاد، عبر زرع مجموعة من الإرهابيين عبوة ناسفة داخلها، وزودت واشنطن بجميع المعلومات الخاصة بالمخطط؛ قاد “روبيو” بتكليف من رئيسه حملة للضغط على نظام “مادورو”، كما ناقش مع أعضاء بالإدارة الأمريكية اتخاذ موقف أكثر حزمًا معه.
ثروة مثيرة للأطماع

فنزويلا دولة صغيرة في امريكا الجنوبية، تطل على البحر الكاريبي، اكتشفها بعض المستكشفين الأوروبيين القرن الخامس عشر الميلادي، وكانت تحمل اسم “فينيسيا الصغيرة”، وما لبثت أن أصبحت واحدة من أهم دول العالم، بفضل ثرواتها الطبيعية، التي أثارت أسماع الدول الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة.
يقول الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي- عن الثروات الطبيعية الفنزويلية، في تصريحات خاصة لموقع اليوم: “تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدر بحوالي 303 مليار برميل، كما أنها الدولة الثامنة في العالم في امتلاك احتياطيات الغاز الطبيعي، والثانية في أمريكا اللاتينية في امتلاك الذهب، بخلاف مخزونها من: الماس والبوكسيت والكولتان؛ وكذلك الثروة السمكية الضخمة والغابات الاستوائية الشاسعة”.
وتابع: “هذه الثروات جعلت فنزويلا هدفاً للسياسات الأمريكية، منذ القرن العشرين، حينما بدأت شركات النفط الأمريكية في السيطرة على قطاع الطاقة الفنزويلي”.
بين السيطرة والصراع

أشار “الألفي” إلى أن الصراع الفنزويلي الأمريكي مر بمراحل عدة، منذ مطلع القرن العشرين حتى الآن، حيث في المرحلة الأولى، تمكنت الولايات المتحدة من فرض سيطرتها الكاملة على الدولة الكاريبية، حتى عام 1998، بدءًا من سيطرة شركات النفط الأمريكية على الصناعة النفطية الفنزويلية عام 1920، ومرورًا بعام 1948، حيث دعمت واشنطن للانقلاب العسكري ضد الرئيس المنتخب “رومولو جايجوس”، حتى انتفاضة “كاراكازو” الدامية عام 1989، الناجمة عن إملاء سياسات الليبرالية الجديدة.
ثم دخلت فنزويلا مرحلة جديدة في عهد “هوجو شافيز”، نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، ارتفعت فيها حدة المواجهة المفتوحة بين الطرفين، فدعمت الولايات المتحدة محاولات الانقلاب الفاشلة على “شافيز” عام 2002، وفي عام 2006 صنفت الدولة العظمى فنزويلا، باعتبارها تهديد للأمن القومي الأمريكي، ثم فرضت أول حزمة من العقوبات، على شركة النفط الوطنية “PDVSA” عام 2013.
وبتولي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامي” مقاليد الحكم، في فترة ولايته الأولى، دخلت العلاقة بين الدولتين مرحلة ثالثة، اتسمت بالتصعيد والحرب الاقتصادية، فأعلن فنزويلا تهديداً استثنائياً لبلاده، وفرض عقوبات شاملة عليها عام 2017، ثم اعترفت واشنطن “بخوان جوايدو” رئيساً مؤقتاً للدولة الكاريبية عام 2019، وفي عام 2020، عرضت مكافأة 15 مليون دولار، مقابل الإدلاء بأي معلومات تؤدي إلى اعتقال “مادورو”.
اتهامات صادمة

في خطوة صادمة راح “ترامب” يتهم “مادورو” بأنه تاجر مخدرات، وقال في مؤتمر صحفي: “إنه يتاجر بالمخدرات لتمويل نظامه الفاسد”، ورصد مكافأة 50 مليون دولار، لمن يساعد في القبض عليه، وتقديمه للعدالة- حسب زعمه، وقد لفت “الألفي”: إلى أن “هذه التصريحات مثلت انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والسيادة الوطنية، واستخدمت فيها الولايات المتحدة أساليب، تشبه تلك المستخدمة في مطاردة زعماء العصابات”.
الحرب الاقتصادية والمقاومة

في إطار الحرب في ميدان الاقتصاد، استخدمت الولايات المتحدة درجات عالية من الضغط، لعلها تتمكن من الإطاحة “بمادورو”، ما ترك بصمة قاسية على الاقتصاد الفنزويلي.
وفي هذا السياق يقول “الألفي”: “بفعل العقوبات الأمريكية، خسرت فنزويلا 99% من عائداتها النفطية، وانكمش اقتصادها بنسبة 80% بين عامي 2013-2021، ما تسبب في فرار أكثر من 7 ملايين فنزويلي من البلاد بسبب الأزمة الإنسانية، كما خسرت 30 مليار دولار من الأصول المجمدة في الخارج”.
لكن كاراكاس لم تستسلم، بل لجأت لعدة إجراءات لتقنين حجم الضرر، الذي صنعته غريمتها غير التقليدية، أو تلافيه إن أمكن، وحسب خبير الاقتصاد السياسي: “واجهت فنزويلا الهجمة الأمريكية، متحدية الحصار الشامل المفروض عليها، عبر تعزيز تحالفاتها مع روسيا والصين وإيران، وتنويع اقتصادها وتطوير الزراعة المحلية، وإنشاء أنظمة دفع بديلة عن النظام المالي الأمريكي، وتعزيز التعاون مع منظمة أوبك ودول عدم الانحياز”.
واختتم تصريحاته قائلًا: “الصراع بين واشنطن وكاراكاس لن ينتهي، فهو صراع على السيادة والثروات، ونموذجا لسياسة العقاب الجماعي، الذي تفرضه القوى العظمى، على الدول التي ترفض الخضوع لإرادتها؛ ما جعل من فنزويلا رمزاً لمقاومة الهيمنة الأمريكية، حيث يثبت تاريخها أن ثروات الشعوب يمكن أن تكون نعمة ونقمة في آن واحد”.
لكن الصراع هذه المرة تخطى الشكل المستتر، الذي كان عليه منذ بدأ، حيث وصل إلى تحريك القوات العسكرية، وتوجيه ضربات محدودة لدولة ذات سيادة، بغض الطرف عما ينص عليه القانون الدولي، بما ينذر باشتعال جمرات الحرب من تحت الرماد، بما قد يتحول لحرب عالمية ثالثة، مع تنامي الصراعات المسلحة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهي المعضلات التي تتكفل الأيام وحدها بحلها، والإجابة على أسئلتها المستعصية.



