تقارير-و-تحقيقاتمقالات

د. سمر أبو الخير تكتب: العنف لا يُصلِح طفلًا.. بل يكسر قلبًا ويُطفئ روحًا

في بيوت كثيرة، يجلس طفل التوحّد أو الطفل المتأخّر في النطق في زاوية الغرفة، يهرب من الأصوات العالية، يكرّر حركة واحدة، أو يصرخ بلا كلمات واضحة.

ينظر الأب إليه فيرى “عنادًا”، وتراه الأم فتشعر بـ”الفضيحة أمام الناس”، ثم تأتي الضربة الأولى، يتبعها صراخ، وتهديد، وعبارات قاسية من نوع: “إنت ليه مش زي باقي الأطفال؟”، “إمتى هتتكلم زيهم؟”، وكأن الطفل اختار بإرادته أن يكون مختلفًا.

الطفل هنا لا يتحدّى أحدًا، بل يعيش في عالم مختلف؛ حواسه منهكة، صوته خائف، عقله يحاول أن يفهم إيقاع الدنيا من حوله. حين يصرخ أو يرمي شيئًا أو يرفض التغيير، فهو لا يقول: “لن أسمع كلامكم”، بل يصرخ بلغته الخاصة: “أنا لا أحتمل هذا الموقف.. أنا خائف ولا أعرف كيف أشرح لكم”.

لكنّ كثيرًا من الكبار لا يسمعون هذه الرسالة، فيردّون عليها بمزيد من العقاب، وكأن العنف يمكن أن يفتح لسانًا أو يضبط سلوكًا.

حين تُرفَع اليد على طفل متأخّر في الكلام أو طفل توحّد، فإنّ الألم لا يصيب الجسد وحده؛ بل يمتدّ إلى مناطق دقيقة في دماغه مسؤولة عن اللغة والانتباه وتنظيم الانفعال.

إن التوتر المستمر، الخوف من الضرب، الترقّب الدائم لصرخة مفاجئة، كلّها تحوِّل عقل الطفل إلى ساحة إنذار دائم، فينصرف عن التعلّم إلى محاولة النجاة، ويصبح تركيزه منصبًا على تجنّب الألم، لا على اكتساب كلمة جديدة أو مهارة اجتماعية بسيطة. هكذا، يتحوّل العقاب الذي يظنه البعض “تربية”، إلى سبب إضافي في تعميق المشكلة التي يشكون منها.

الأصعب من كل ذلك هو الجرح النفسي الخفي؛ فالطفل الذي يتلقّى رسائل يومية بأنه “غبي”، “فاشل”، “عار على أهله”، يبدأ شيئًا فشيئًا في تصديق هذه الرواية عن نفسه، فيتكوّن داخله إحساس ثقيل بالدونية، وخجل من ذاته، وخوف من أي محاولة للتعبير، لأنّ كل كلمة يخطئ فيها قد تفتح عليه بابًا جديدًا من السخرية أو العقاب. ومع الوقت، يختار الصمت؛ ليس لأنه لا يريد الكلام، بل لأن الصمت أصبح أكثر أمانًا من أن يغامر بجملة لا تعجب الكبار.

في المقابل، حين يجد الطفل نفسه في بيتٍ يفهم اختلافه، ويرى في التأخّر عن أقرانه تحديًا لا عيبًا، يتغيّر المشهد بالكامل، الأم التي تجثو أمام طفلها لتكون في مستوى عينيه، تنطق الكلمة ببطء، تبتسم حين يحاول تقليدها ولو أخطأ، والأب الذي يربّت على كتفه بدل أن يصفعه، ويحتضنه بعد نوبة الغضب بدل أن يطرده من الغرفة، هؤلاء يصنعون فرقًا حقيقيًا في مسار تطوّر الطفل النفسي واللغوي، فالطفل لا يتعلّم الكلام في بيئة خوف، بل في مناخ أمان، ولا يجرؤ على التجربة إذا كان كلّ خطأ سيُقابل بإهانة.

 من دائرة العنف إلى دائرة الرحمة

الخروج من دائرة العنف لا يبدأ من تغيير الطفل، بل من اعتراف الأهل بأنّ المشكلة ليست في “قسوة لتربية الأولاد”، بل في ثقافة متوارثة تحتاج إلى مراجعة شجاعة.

كثير من الآباء والأمهات الذين يضربون أبناءهم، يفعلون ذلك وهم يحملون في داخلهم جراحًا قديمة؛ تربّوا هم أيضًا على الضرب، وسمعوا في طفولتهم نفس العبارات القاسية، فيعيدون إنتاج ما تعلّموه دون وعي، لكنّ تكرار الخطأ لا يبرّره، بل يضاعف آثاره ويمدّد عمره إلى جيل جديد لم يختر شيئًا.

إن الخطوة الأولى التي يجب الالتزام بها، أن يتوقّف الأب أو الأم لحظة، قبل أن ترتفع اليد أو تهبط الكلمة الجارحة، ويسأل نفسه بهدوء: ماذا يحاول طفلي أن يقول بهذا السلوك؟ هل هو متعب؟ خائف؟ هل المهمة أكبر من قدرته؟ هل الضوضاء من حوله لا يحتملها؟ هل يحتاج إلى حضن وتهدئة أكثر من حاجة إلى محاكمة وعقاب؟

هذا السؤال البسيط يحوّل نظرة الوالدين من رؤية الطفل كـ”مُخطئ” إلى فهمه كإنسان صغير يطلب المساعدة بلغة غير مألوفة.

ثم تأتي خطوة أخرى لا تقل أهمية: أن نتعلّم كيف نضع حدودًا واضحة دون إهانة، نعم، من حق الأسرة أن يكون لها نظام، ومن حق الوالدين أن يرفضا السلوك المؤذي أو الخطر، لكن الفرق شاسع بين أن أقول لطفلي: “أنا أحبك، لكني لا أقبل هذا التصرف وسنغيّره معًا”، وبين أن أصرخ في وجهه: “أنت كارثة على البيت”، الأول يزرع في قلبه احترامًا للذات وإحساسًا بالأمان، والثاني يهدم ما تبقّى من ثقته بنفسه وبمن حوله.

في كل مرة ينجح فيها الطفل في إصدار كلمة جديدة، أو يوم يمرّ بلا نوبة غضب، أو لحظة يعبّر فيها بإشارة بديلة عن الصراخ، فهذا انتصار صغير يستحق الاحتفال والتشجيع، لا المقارنة بمن هم أفضل منه.

وحين تقول له الأم: “أنا فخورة بيك، شاطر”، وحين يبتسم الأب وهو يصفّق له على تقدّم بسيط، لا يدركان أن هذه اللحظات القليلة يمكن أن تساوي جلسات علاج طويلة؛ لأنها تبني جسرًا من الثقة بين الطفل وعالم الكبار.

ولا عيب في أن يمدّ الأهل أيديهم طلبًا للمساعدة؛ فاستشارة أخصائي تخاطب، أو طبيب أطفال متخصص في النمو، أو طبيب نفسي للأطفال، ليست اعترافًا بالفشل، بل دليل نضج ومسؤولية، وكذلك الانضمام إلى مجموعات دعم للأمهات والآباء الذين يربّون أطفالًا مشابهين، يخفّف شعور الوحدة والذنب، ويمنح الأسرة خبرات وأفكارًا وأساليب تربية إنسانية فعّالة، بعيدًا عن العنف والانفجار.

في النهاية، يحتاج أطفال التوحّد وتأخر النطق إلى شيء واحد قبل الجلسات والاختبارات والتقارير، أن يشعروا بأنهم مقبولون كما هم، أن يروا في عيون آبائهم وأمهاتهم رسالة واضحة: “اختلافك لا يقلّل من قيمتك، وتعثّرك في الكلام لا يسقطك من قلوبنا”، فحين يسمع الطفل هذه الرسالة في كل تصرف، وكل نظرة، وكل حضن، يبدأ عالمه الداخلي في الهدوء، ويتشجّع ليتقدّم خطوة، ولو صغيرة، نحو الآخرين.

الطفل الذي يربى في ظل الرحمة لا يتحوّل إلى عبء، بل إلى قصة إلهام؛ يعلّمنا نحن الكبار معنى الصبر، ويعيد تعريف النجاح خارج مقاييس المقارنة والاستعراض، وكل بيت يقرّر أن يطوي صفحة العنف، ويفتح صفحة الحنان الواعي والمسؤول، لا يغيّر مصير طفل واحد فقط، بل يشارك في تغيير ثقافة كاملة تقول بوضوح: لا تربية بالعنف بعد اليوم، ولا يد ترتفع على طفل مهما كان مختلفًا؛ إنما هي قلوب تُفتح لتحتضن، وألسنة تتعلّم أولًا أن تقول: أحبّك… قبل أن تطلب من الطفل أن يتكلّم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى