تقرير: سمر صفي الدين
أعاد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه وقف الهجرة بشكل دائم من ما وصفه بـ”دول العالم الثالث” إحياء مصطلح ظل لعقود مثار جدل بين الباحثين، بعدما استخدمه في معرض حديثه عن تشديد سياسات الهجرة عقب حادث إطلاق نار نفذه مواطن أفغاني ضد جنديين من الحرس الوطني في واشنطن.
وجاءت تصريحات ترامب بعدما أوضحت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن الإجراء يستهدف 19 دولة مدرجة بالفعل ضمن قائمة حظر السفر الأمريكية، تشمل ليبيا والسودان واليمن والصومال وإيران وأفغانستان، إلى جانب بورما (ميانمار)، وبوروندي، وتشاد، وكوبا، وجمهورية الكونغو، وغينيا الاستوائية، وإريتريا، وهايتي، ولاوس، وسيراليون، وتوغو، وتركمانستان، وفنزويلا.
وقال ترامب، عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي: “سأوقف الهجرة بشكل دائم من كل دول العالم الثالث للسماح للنظام الأمريكي بالتعافي بشكل كامل”، ملوحًا كذلك بإلغاء “ملايين” الطلبات التي قُبلت خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وترحيل كل من “لا يقدم قيمة إضافية” للولايات المتحدة.
إلا أن الجدل تجاوز مضمون القرار إلى طبيعة المصطلح نفسه، إذ أعاد استخدام عبارة “العالم الثالث” تساؤلات قديمة حول معناها الحقيقي، ولماذا لا يزال متداولًا رغم أن العديد من الباحثين يعدونه تصنيفًا تجاوزته التحولات السياسية والاقتصادية العالمية.
وفي هذا السياق، يشير الباحث إيفان أندروز، في دراسة منشورة على موقع “الاشتراكية العالمية”، إلى أن مصطلح “العالم الثالث” يُستخدم اليوم على نطاق واسع للإشارة إلى الدول الفقيرة أو النامية، مقابل “العالم الأول” الذي يضم الدول الصناعية الغنية، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية.
لكن هذا الاستخدام، بحسب أندروز، يبتعد عن المعنى الأصلي للمصطلح، ويثير تساؤلًا آخر لا يقل أهمية: إذا كان هناك عالم أول وثالث، فأين اختفى “العالم الثاني”؟
من أين جاء مفهوم “العوالم الثلاثة”؟
يشير أندروز إلى أن نموذج “العوالم الثلاثة” ظهر للمرة الأولى في منتصف القرن العشرين، خلال ذروة الحرب الباردة، كوسيلة لرسم خرائط الجغرافيا السياسية.
وينسب المؤرخون هذا التقسيم إلى عالم الديموغرافيا الفرنسي ألفريد سوفي الذي صاغ مصطلح “العالم الثالث” في مقال عام 1952 بعنوان “ثلاثة عوالم، كوكب واحد”.
وفق هذا التصنيف:
العالم الأول: الولايات المتحدة وحلفاؤها الرأسماليون في أوروبا الغربية واليابان وأستراليا.
العالم الثاني: الاتحاد السوفياتي الشيوعي و”أقماره الاصطناعية” في أوروبا الشرقية.
العالم الثالث: الدول التي لم تكن متحالفة مع أي من الجانبين، وغالبًا ما كانت مستعمرات أوروبية سابقة فقيرة، تشمل إفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وآسيا، أو ما سُمّي لاحقًا دول عدم الانحياز.
ماذا بقي من هذا النموذج اليوم؟
شرح أندروز أن المصطلح تغير جذريًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ فقد اختفى “العالم الثاني” تمامًا، بينما أصبح “العالم الثالث” مرادفًا للدول النامية.
ومع ذلك، يرى العديد من الأكاديميين أن التسمية عفا عنها الزمن، وبدأوا يعتمدون بدائل مثل:
- الوقت والتقاويم.
- البلدان النامية.
- البلدان المنخفضة الدخل.
- الشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل.
لكن المصطلح يستمر في التداول الشعبي والسياسي، وغالبًا بطريقة غير دقيقة.
التصنيفات العالمية والصورة الذهنية
أوضحت المعلومات التي اعتمد عليها أندروز أنه في بداية كل عام أو نهايته تنشر المؤسسات الإحصائية لوائح وتصنيفات مختلفة حول أغنى الدول، أو أكثرها رفاهًا، أو الأكثر أمنًا، أو الأفضل في التعليم والحوكمة والدخل القومي.
وبقت المراتب شبه ثابتة، حيث تتصدر الدول الإسكندنافية عادة لوائح الرفاه، بينما تسجل الصين أسرع نمو في الدخل القومي، حتى خلال جائحة كورونا.
كما تتصدر الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية قوائم الصناعات الثقيلة والدقيقة وصناعة الآلات العسكرية والمدنية.
وفي المقابل، تنشر قوائم “الأسوأ” التي تضع دولًا مثل الصومال أو العراق أو أفغانستان في أدنى المراتب أمنيًا، وتضع دولاً أخرى مثل لبنان أو العراق أو ليبيا في مراتب الأسوأ في الفساد الإداري.
ورغم تأثير هذه التصنيفات على سمعة الدول، فإن الإعلام يتعامل معها كمرجع جاهز دون التدقيق في مصادرها أو آليات إعدادها، ما يمنح شركات الإحصاء القدرة على صياغة سرديات تخدم توجهاتها السياسية.
كيف يستخدم التصنيف سياسيًا؟
أشارت المعلومات إلى أن بعض شركات الاستطلاع قد تضع الدول “الأسوأ” دائمًا في خانة الدول المعترضة على السياسة الأمريكية، أو تلك القريبة من روسيا أو الصين أو إيران، بينما تدرج حلفاء واشنطن في المراتب العليا.
ولأن استطلاعات الرأي قد تؤثر في الرأي العام، فهي تمنح هذه الشركات نفوذًا سياسيًا واسعًا. خاصة في الدول الليبرالية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا. حيث توجد مؤسسات استطلاع مرتبطة مباشرة بالأحزاب السياسية.
هذه المؤسسات تبث إحصاءات بشكل دائم، خصوصًا خلال الحملات الانتخابية، في سباق على استقطاب الرأي العام المتقلب، ما يجعل التصنيفات أداة سياسية لا تقل تأثيرًا عن الخطاب الرسمي نفسه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم