السفير اللبناني لـ”اليوم”: نتنياهو يهمه كثيرًا أن تستمر الحروب في المنطقة
السفير اللبناني لـ”اليوم”: الحق إلى جانب لبنان.. لكن ينقصه الدعم الدولي لتحقيقه
تقرير: سمر صفي الدين
عاد جنوب لبنان إلى واجهة المشهد الإقليمي مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تقودها فرنسا والولايات المتحدة لإعادة تشغيل المسار السياسي بين بيروت وتل أبيب، وسط تعثر اتفاق الإطار.
وشهدت مناطق عدة في محافظتي الجنوب والنبطية، خلال الأيام الأخيرة، سلسلة تفجيرات وقصف مدفعي إسرائيلي، طالت بلدات بينها زوطر الشرقية والمنصوري وحداثا وكفرتبنيت، بينما تردد دوي الانفجارات في مناطق واسعة من الجنوب والنبطية.
كما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بأن القوات الإسرائيلية نفذت تفجيرات متتالية في زوطر الشرقية، بينما شهدت المنصوري في قضاء صور تفجيرات عنيفة، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف حداثا وتفجير آخر في كفرتبنيت.
وجاء التصعيد في سياق عمليات عسكرية إسرائيلية متواصلة داخل الجنوب، شملت هدم منشآت وتفجير مبانٍ ومواقع تقول إسرائيل إنها مرتبطة بحزب الله.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي، في العاشر من سبتمبر، تدمير شبكة أنفاق ومنشآت عسكرية قال إنها تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر، على مسافة نحو 15 كيلومترًا من الحدود.
نتنياهو يصنع “وهم الخطر“
من واشنطن، يقرأ السفير اللبناني السابق لدى الولايات المتحدة وكندا، مسعود معلوف، هذا التصعيد باعتباره جزءًا من حسابات إسرائيلية أوسع، محذرًا من أن استمرار الحرب قد يرتبط كذلك بالاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي المقبل.
وتُجرى الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026، في دورتها الـ26، لاختيار أعضاء الكنيست الـ120 وتحديد شكل الائتلاف الحاكم المقبل الذي سيخلف الحكومة الـ37 بقيادة نتنياهو.
وقال السفير معلوف، في حديثه لـ “اليوم”، إنه لم يتفاجأ بالتصعيد الأخير، مشيرًا إلى أنه أكد خلال الأشهر الماضية أن نتنياهو “يهمه كثيرًا أن تستمر الحروب في المنطقة، وخاصة في الجنوب اللبناني”.
وأوضح السفير اللبناني السابق أن استمرار الحرب يمنح نتنياهو فرصة للظهور أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره المسؤول القادر على حماية الإسرائيليين من خطر حزب الله، معتبرًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي “دائمًا يبالغ بالخطر الذي يشكله حزب الله”.
وربط معلوف هذا النهج، وفق رؤيته، بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، إلى جانب المحاكمات التي يواجهها نتنياهو في قضايا فساد، معتبرًا أن خسارة حزب الليكود في الانتخابات قد تنهي رئاسته للحكومة وتفقده الحصانة المرتبطة بمنصبه.

جنوب لبنان إلى أين؟
لا يتوقف القلق اللبناني عند استمرار القصف والتفجيرات، وإنما يمتد إلى طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب، وما إذا كان يتحول من إجراء مؤقت إلى واقع أمني دائم.
وقال السفير معلوف إن هناك “احتمالاً كبيرًا بفرض واقع أمني إسرائيلي” في جنوب لبنان، مستندًا إلى التصريحات الإسرائيلية المتكررة بشأن عدم الرغبة في الانسحاب من الأراضي اللبنانية قبل معالجة ملف سلاح حزب الله.
وفي هذا السياق، أشار إلى تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وكذلك بيانات مشتركة مع نتنياهو، ربطت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بإنهاء ملف سلاح حزب الله على الأراضي اللبنانية.
ويضع هذا الموقف ملف الانسحاب في قلب الأزمة، إذ تطالب إسرائيل بضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله، بينما يتمسك لبنان بضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية قبل الانتقال إلى ترتيبات أخرى تتعلق بالمرحلة التالية.
وقال معلوف إن أكثر من 60 أو 70 قرية في الجنوب تعرضت لدمار واسع أو كامل خلال العمليات العسكرية، معتبرًا أن حجم الدمار يثير مخاوف من عدم السماح للسكان بالعودة أو من تعثر إعادة الإعمار.
وأضاف أن منع عودة السكان الذين وصفهم بأنهم “أبناء هذه الأرض” سيكون أمرًا “خطيرًا جدًا”، خصوصًا مع استمرار العمليات العسكرية وعدم وجود ضمانات واضحة بشأن مستقبل المناطق المتضررة.
اتفاق الإطار يتعثر
في قلب هذا المشهد يقف اتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة في يونيو الماضي، والذي يفترض أن يضع أساسًا لتسوية تدريجية بين لبنان وإسرائيل، تشمل انسحاب القوات الإسرائيلية وترتيبات تتعلق بسلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني.
وتعثر تنفيذ الاتفاق أمام خلاف جوهري حول ترتيب الخطوات، إذ تربط إسرائيل انسحابها بمعالجة ملف سلاح حزب الله، بينما يرفض الحزب التخلي عن سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي، ما أبقى الاتفاق داخل دائرة التفاوض.
وقال السفير معلوف إن فرص نجاح المفاوضات في الوقت الحالي “محدودة جدًا”، معتبرًا أن نتنياهو لا يريد إيقاف الحرب، لأنه يريد أن يظهر باعتباره “الرجل القوي الذي يستطيع أن يدافع عن الإسرائيليين”.
وأضاف أن إسرائيل تواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار بصورة يومية، بينما لا يرى حتى الآن ضغطًا أمريكيًا كافيًا على إسرائيل لتنفيذ وقف إطلاق النار.
وكان مقررًا عقد جولة من المحادثات الرسمية في روما، قبل تأجيلها إلى الشهر المقبل، وفق مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، الذي أرجع التأجيل إلى عوامل لوجستية مرتبطة باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتقويم اليهودي ومؤتمر باريس.
باريس تدعم الجيش
في مواجهة الجمود السياسي والتصعيد العسكري، تحاول فرنسا فتح مسار موازٍ يقوم على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش.
واستضافت باريس، الخميس 17 سبتمبر، اجتماعًا ثلاثيًا جمع الرئيس اللبناني جوزيف عون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتركزت المباحثات على الوضع اللبناني والتصعيد الإقليمي وسبل دعم الجيش اللبناني.
وأعلنت الرئاسة اللبنانية أن الاجتماع بحث أهمية استضافة فرنسا جولة جديدة من مبادرة “اجتماعات العقبة”، التي تركز على دعم الجيش اللبناني وتمكينه من أداء مهامه الأمنية، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي.
كما ناقش عون وماكرون الجهود الرامية إلى وضع حد للاعتداءات الإسرائيلية، في ضوء المفاوضات اللبنانية الأمريكية الإسرائيلية واتفاق الإطار.
ويرى السفير معلوف أن قمة باريس تمثل محطة مهمة لأنها تقدم صورة واضحة عن الرغبة الأمريكية والفرنسية والأوروبية في دعم الجيش اللبناني، لكنه يرى أن طبيعة هذا الدعم وحجمه لا يزالان غير واضحين.
وقال إن “دعم الجيش اللبناني يعني بالطبيعة دعم لبنان بالكامل”، لكنه أشار إلى أن هناك شروطًا مرتبطة بالمساعدات والأسلحة التي قد يحصل عليها الجيش اللبناني، خصوصًا مع أصوات في الولايات المتحدة تربط الدعم بقيام الجيش بما يوصف بأنه “واجبه نزع سلاح حزب الله”.
ورقة لبنان التفاوضية
رغم محدودية أدوات الضغط المباشر، يرى السفير معلوف أن لبنان يمتلك ورقة تفاوضية أساسية تتمثل في الحق والسيادة على أراضيه.
وقال إن “الحق هو إلى جانب لبنان”، مؤكدًا أن الأراضي التي يجري الحديث عنها هي أراضٍ لبنانية وتقع ضمن السيادة اللبنانية.
لكن السفير يميز بين امتلاك الحق وبين امتلاك القدرة على فرضه، مؤكدًا أن لبنان يحتاج إلى دعم دول غربية قادرة على التأثير في إسرائيل، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن هذه الدول تقدم دعمًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا لإسرائيل، ولذلك يأمل لبنان أن تستخدم نفوذها للضغط من أجل الانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ الاتفاق.
ويقول السفير معلوف إن لبنان يمتلك الحق، لكنه “ينقصه الدعم الدولي من أجل تحقيق هذا الحق”، خصوصًا في ملف استعادة الأراضي وعودة السكان وإعادة الإعمار.
كما أكد أن لبنان “وحده لن يستطيع أن يقف ويفرض على إسرائيل الانسحاب وإعادة الإعمار في الجنوب”، معتبرًا أن المجتمع الدولي يملك دورًا حاسمًا في هذه المرحلة.
ماذا بعد “اليونيفيل”؟
تتزامن هذه الأزمة مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، ما يفتح ملفًا جديدًا حول مستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.
وكان مجلس الأمن قد قرر تمديد ولاية “اليونيفيل” للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر 2026، على أن تبدأ القوة اعتبارًا من هذا التاريخ خفض قوامها وانسحاب أفرادها بشكل منظم وآمن، على أن تستكمل عملية الانسحاب خلال عام واحد.
وفي هذا الصدد، تبحث فرنسا وشركاؤها في ترتيبات للمرحلة التالية، بما يشمل دعم الجيش اللبناني والتدريب والتجهيز، لتجنب نشوء فراغ أمني بعد انتهاء المهمة الدولية.
واشنطن تمسك بالخيط
تحتفظ الولايات المتحدة بالدور الأكثر حساسية في الملف، باعتبارها راعية اتفاق الإطار وصاحبة التأثير الأكبر على إسرائيل، وفي الوقت نفسه الطرف الذي يستطيع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
ويأتي اللقاء المرتقب بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية الحفاظ على المسار التفاوضي، رغم استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب.
ويشكل ذلك اختبارًا لقدرة واشنطن على الانتقال من إدارة الأزمة إلى دفع الأطراف نحو تنفيذ خطوات ملموسة، خصوصًا أن الاتفاق تعثر منذ توقيعه بسبب الخلاف على ترتيب الالتزامات.
ويعتقد السفير معلوف أن فرص تحقيق اختراق قبل الانتخابات الإسرائيلية تبقى “محدودة”، بينما قد تفتح نتائج الاقتراع نافذة مختلفة أمام المسار السياسي، بحسب شكل الحكومة الجديدة وموقفها من ملف الجنوب.
السيناريو الأكثر قلقًا
يضيف السفير معلوف عاملاً إقليميًا آخر إلى المعادلة، يتمثل في تطورات المفاوضات الأمريكية مع إيران، وما يمكن أن تتركه من انعكاسات على الموقف الإسرائيلي تجاه لبنان.
ويقول السفير اللبناني السابق إن “ما أخشاه أنا فعلاً” هو أن يدخل الرئيس الأمريكي ترامب في مفاوضات مع إيران بشأن الحرب في مضيق هرمز، بينما تعرف إسرائيل أنها تعارض مثل هذه المفاوضات.
ويخشى معلوف من احتمال أن يؤدي أي تفاهم أمريكي إيراني إلى إعادة ترتيب الأولويات في المنطقة، بما قد يمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك في لبنان مقابل عدم عرقلة مسار واشنطن مع طهران.
وأضاف أن مخاوفه تتمثل في احتمال أن يعطي ترامب نتنياهو “الضوء الأخضر ليتصرف كما يشاء في لبنان”، مقابل عدم تدخل نتنياهو فيما يحصل في إيران إذا بدأت المفاوضات بهدف إنهاء الحرب الأمريكية على طهران.
ويطرح السفير هذا السيناريو باعتباره مصدر قلق، وليس باعتباره تفاهمًا قائمًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدًا أن التطورات المقبلة هي التي ستكشف اتجاه الموقف الأمريكي.
وفي المقابل، يستند السفير معلوف إلى رغبة ترامب في تقديم نفسه باعتباره رئيسًا قادرًا على إنهاء الحروب، مشيرًا إلى حديث الرئيس الأمريكي عن إنهاء ثماني حروب وسعيه إلى الظهور بصورة الرئيس الذي يحقق السلام.
ويرى أن هذا الطموح قد يدفع ترامب إلى السعي لإنهاء الحرب بين إسرائيل ولبنان، ليس بالضرورة بدافع الانحياز إلى أي من الطرفين، وإنما لتعزيز صورته باعتباره رئيسًا ينجح في إنهاء النزاعات.
الجنوب.. علامة استفهام كبرى
في سياق الحديث عن اتجاه الجنوب اللبناني في حالة استمرار التصعيد وتعطل المسارات الدبلوماسية، يصف السفير معلوف مستقبل الجنوب اللبناني بأنه “علامة استفهام كبرى”، معتبرًا أن المرحلة السابقة للانتخابات الإسرائيلية لن تشهد تحولاً كبيرًا في مسار العمليات العسكرية.
وقال إن “قبل الانتخابات لا أتوقع أن يحصل أي شيء في الجنوب إلا استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية”، رابطًا ذلك بالحسابات السياسية التي يرى أنها تحكم موقف نتنياهو.
أما بعد الانتخابات، فيرى أن المشهد سيعتمد على شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وعلى مدى استعداد الولايات المتحدة والدول الغربية لممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل.
وفي الجانب اللبناني، ستبقى الحكومة أمام مهمة صعبة تتعلق بتعزيز حضور الدولة والجيش في الجنوب، وإدارة ملف سلاح حزب الله، والحصول على الدعم الدولي اللازم لإعادة الإعمار.
أما السكان، فسيظل مستقبلهم مرتبطًا بالقدرة على تأمين عودة آمنة إلى القرى المتضررة، وبدء عملية إعادة إعمار واسعة تتطلب تمويلًا دوليًا وضمانات أمنية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم