
تقرير: مروة محي الدين
مع صعود الرجل الأبيض ذو الأطماع التوسعية “دونالد ترامب” إلى سدة حكم الولايات المتحدة، صعد بحلم فرض الهيمنة الأحادية على العالم، ليجعله أحد أهم دعائم حكمه، فلا مورد طبيعي لدولة مستقلة، ولا موقع إستراتيجي لدولة، ولا فرصة للنهوض والاكتفاء، طالما بقيت الولايات المتحدة.
بالأمس أقدم الرئيس الأمريكي على إثبات ذلك التوجة عمليًا، في عملية عسكرية مكثفة، هاجم فيها فنزويلا، واختطف رئيسها المنتخب “نيكولاس مادورو”، ولم يجرؤ العالم على أكثر من التنديد باستحياء، في إعلاء صريح لمبدأ “سيادة القوة على القانون”، يؤشر في النهاية إلى تآكل شرعية النظام الدولي القائم على سيادة الدول.
اختطاف الرئيس الفنزويلي… بلطجة إستراتيجية مفتوحة تؤكد وفاة النظام العالمي
ولم يكن ذلك الانتهاك الأول من الولايات المتحدة لدولة ذات سيادة، فعلى مدار تاريخها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اتخذت من منهج التدخل الاستباقي سمتًا لسياستها الخارجية، لتحقيق مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، ومن الغزو العسكري المباشر، إلى تدخلات الظل، التي تمثلت في الانقلابات المدعومة استخباراتيًا، وصولًا لدعم المسلحة، دون أن تنضب ذرائعها في فعل ذلك، بين محاربة الإرهاب والمخدرات، ونشر الديمقراطية، ومنع التوسع الشيوعي.
في السطور التالية، نعرض التجارب التاريخية السابقة للتوسع الإمبريالي للولايات المتحدة، وذرائعه ومآلاته:
عملية أجاكس 1953
في إيران عام 1953، نفذت (المخابرات المركزية الأمريكية- CIA) أول عملية انقلاب لها في الشرق الأوسط، لتكون بداية التدخل الأمريكي السافر في مصائر شعوب المنطقة، والتحكم في قراراتها السياسية، وذلك عقب رفض رئيس الوزراء الإيراني “محمد مصدق” للتبعية للغرب، وتأميم صناعة النفط الإيرانية.
ومن هنا حركت شبكة عملائها الإيرانيين، التي صنعتها على مدار سنوات عبر رصيد ضخم من الرشاوى، لتقويض شعبية رئيس الوزراء الإيراني “محمد مصدق”، وإظهاره بصورة الشيوعي العنيف، الذي يدمر البلاد بسياساته الشيوعية، ما يهدد بسقوط إيران في يد الاتحاد السوفيتي، حتى تم لها ما أرادت في أغسطس من العام نفسه، وأعادت الشاة “رضا بهلوي” للحكم، بما ضمن تدفقات النفط الإيراني للولايات المتحدة وبريطانيا بأسعار تفضيلية.
عملية PBSuccess عام 1954
مع تولي “جاكوبو أربينز” حكم جواتيمالا، في أمريكا اللاتينية، أجرى عدة إصلاحات، منحت ملكية الأراضي الزراعية للفلاحين المعدمين، ما أنهى الممارسات الاستغلالية لشركة الفواكة الآمريكية، وأثر على مصالحها التي كانت مربحة للغاية، وعليه نفذت (CIA) انقلابا أطاح به في يونيو 1954.
وبدعوى مكافحة المد الشيوعي، الذي كان محور الدعاية السياسية ضد الحكومة المنتخبة، مولت قوة من 480 مقاتلًا، قادهم “كارلوس كاستيلو أرماس”، وسلحتهم ودربتهم، لينفذوا هجمة على البلاد، مدعومة بحصار بحري خانق، وحرب نفسية انتهت بتقديم الرئيس المنتخب استقالته، لينصب قائد المتمردين رئيسا للبلاد بعد أيام.
الكونغو
في جمهورية الكونغو: تدخلت الولايات المتحدة عام 1961، وتواطئت في اغتيال رئيس الوزراء “باتريس لومومبا”، بسبب تزعمه حركة الاستقلال عن بلجيكا، بدعوى انتمائه للشيوعية.
عام التدخلات 1965
الدومينيكان: في إبريل عام 1965، نفذت القوات الأمريكية غزوًا عسكريًا للبلاد، بأكثر من 42 ألف جندي، في البداية كان ذلك بذريعة حماية الرعايا الأمريكيين وإجلائهم من البلاد، ثم تم توسيع العملية لمنع وصول يساريين للحكم.
إندونيسيا: تحت دعوى القضاء على المد الشيوعي فيها، وفي أكتوبر 1965، دعمت الولايات المتحدة وحلفائها، ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي وسياسي، ضد الشيوعيين والمتعاطفين معهم في البلاد، حيث دعموا الجيش والمليشيات المسلحة وحتى سلحوا مدنيين، لارتكاب عمليات قتل جماعي لكل من يظهر تعاطفا مع الشيوعين، حتى بلغت أعداد الضحايا بين 500 ألف إلى مليون قتيل.
فيتنام: التدخل الأمريكي الأكثر دموية في بلد مستقل، الذي امتد في الفترة ما بين 1965-1973، حيث بدأت الولايات المتحدة هجماتها على البلاد، مع تعرض قاذفاتها البحرية لهجوم في خليج تونكين، وفي مارس 1965 بدأت عمليات الغزو البري، وذلك بذريعة منع سقوط فيتنام في يد الشيوعية، حتى لا تسقط آسيا فيها بالكامل، فيما عرف بنظرية الدومينو.
واستمرت مقاومة الفيتنامين للغزو الأمريكي، حتى انسحاب القوات منها عام 1973، مخلفة دمارًا هائلًا، وأكثر من مليون قتيل فيتنامي وثلاثة ملايين جريح، و12 مليون لاجئ.
وأد ديمقراطية تشيلي 1973
في 11 سبتمبر 1973، دعمت الولايات المتحدة الجنرال “أوجستو بينوشيه”، في تنفيذ انقلاب عسكري دموي ضد الرئيس المنتخب “سلفادور أليندي”، بسبب توجهه الاشتراكي، وذلك بعد أن فرضت عليها حصاراً اقتصادياً خانقاً، ورفعت في ذلك شعار حماية البلاد من التحول إلى كوبا ثانية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
فضيحة كونترا
كانت نيكاراجوا مسرحا للتدخلات الأمريكية، في ثمانينيات القرن الماضي، حيث سعت الأخيرة لإسقاط النظام الذي جاءت به ثورة الساندينيستا، عقب نجاحها، بدعوى وقف التدخل السوفيتي في أمريكا الوسطى، فنفذت (CIA) عمليات تفخيخ للموانئ فيها، ودعم للمتمردين، وتطور لاحقا لفضيحة بيع أسلحة لإيران، لتمويل هذه العمليات سرًا، فيما عرف باسم فضيحة كونترا- إيران، وهو ما تم كشفه عبر حكم محكمة العدل الدولية، عام 1986، بإدانتة الولايات المتحدة، لاستخدامها المفرط للقوة بشكل غير قانوني.
جرينادا
غزت القوات الأمريكية جرينادا، عام 1983، بدعوى حماية رعايا أمريكيين داخل البلاد، عقب حدوث تفجيرات في قواعدها العسكرية، وفرضت سيطرتها عليها في غضون أيام قليلة.
بنما
على نفس منوال فنزويلا، غزت القوات الأمريكية بنما، عام 1989، بدعوى مكافحة تجارة المخدرات والإرهاب، وحماية الرعايا الأمريكيين فيها، ونجحت في اعتقال رئيسها “مانويل نورييجا”، بعد عملية عسكرية استمرت يومين وبضع ساعات، وخلفت آلاف القتلى المدنيين، وذلك بسبب تمرد الأخير على الإملاءات الأمريكية.
الصومال
في بداية تسعينيات القرن الماضي، ما بين عامي 1992-1993، دخلت القوات الأمريكية الصومال، بدعوى تقديم المساعدات الإنسانية، أثناء الحرب الأهلية، وسرعان ما تحول التدخل لدعم لبعض قادة الفصائل، مثل: “محمد فرح عيديد”، لتتصاعد حدة الصدامات الدموية، استمرت حتى انسحاب القوات الأمريكية، بينما استمرت الفوضى لعقود في البلاد.
ما بعد 11 سبتمبر
أفغانستان: بدعوى الحرب على الإرهاب، بعد هجمات 11 سبتمبر 2011، الذي يرعاه تنظيم القاعدة، نفذت الولايات المتحدة غزوًا شاملًا لأفغانستان، للقضاء على التنظيم، وخلع حركة طالبان من الحكم، بينما كانت الحقيقة طمعها في الثروات النفطية والمعدنية للبلاد، واستمر وجودها فيها لأكثر من 20 عاماً، حتى انسحابها الفوضوي منها عام 2021، قبل أن يعود “دونالد ترامب” يطالب بتمكينه من استعادة قاعدة “باجرام” الأمريكية فيها، في سبتمبر الماضي.
العراق: في عام 2003، غزت الولايات العراق، بدعوى امتلاك نظام “صدام حسين” أسلحة دمار شامل فيها، وهو الادعاء الذي ثبت كذبه فيما بعد، فكان الغرض المعلن للغزو تدمير الأسلحة والإطاحة بالنظام، فيما كانت الثروات الطبيعية للعراق، وتغيير خريطة المنطقة العربية، وفرض واقع جديد عليها.
وقد تمكنت من تحقيق أهدافها، حيث أطاحت بالنظام، وأعدمت رئيسه صباح اليوم الأول من عيد الأضحى، في ديسمبر 2006، وفرضت وجودها في المنطقة حتى الآن.
الربيع العربي
ثورات الربيع العربي، كانت بوابة مفتوحة لفرض الولايات المتحدة وجودها في المنطقة، والاستيلاء على ثرواتها النفطية والطبيعية، فكانت محطتها الأولى ليبيا عام 2011، حيث قادت حملة جوية مع حلف شمال الأطلسي- الناتو، ودعمت المعارضة، للإطاحة بالرئيس “معمر القذافي”، الذي اندلعت ضده التظاهرات فواجهها بالقوة.
ومن هنا، تذرعت القوة العظمى بمنع وقوع مجزرة في بنغازي، انطلاقا من مسؤوليتها المزعومة عن حماية المدنيين، لتتحول ليبيا إلى ساحة من الصراع المسلح بين قوات متحاربة، ارتبط بحالة من الفراغ الأمني في كامل المنطقة.
وكانت سوريا المحطة الثانية للعمليات الأمريكية، مع ظهور تنظيم الدولة- داعش، أعلنت محاربة التنظيم بدعم الفصائل المسلحة في البلاد، وسيطرت على عدد من حقول النفط.
ولم تختتم القوة المهيمنة تدخلاتها، إذ استمر رئيسها في إطلاق التهديدات، عقب عملية فنزويلا، فراح يهدد كوبا وكولومبيا وجرينلاند بمصير جارتهم، ملوحًا بذات الذرائع الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، بما يؤكد الإصرار على تحقيق الطموحات التوسعية للرئيس، الذي حاول مرارًا فرض زعمه باعتباره رئيسًا للسلام.
من كاراكاس إلى لاهاي؟.. اعتقال مادورو يعيد فتح سجل التدخلات الأمريكية




