القاهرة تقرأ.. اللحظات الأخيرة في معرض الكتاب 2026

لم يكن اليوم الأخير من فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد محطة ختامية في جدول زمني مزدحم، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لوزن الثقافة في المجال العام، ولقدرة الكتاب على الصمود كفعل جماهيري في زمن التحولات السريعة. فمنذ الصباح، بدت القاعات مكتملة، والحركة مستمرة بلا انقطاع، في مشهد نفى فكرة أن الزخم يرتبط فقط بالافتتاح أو عطلات نهاية الأسبوع.
اللافت في اليوم الختامي أن الإيقاع لم يهبط، بل بلغ ذروته؛ حيث تداخلت الفعاليات الرسمية مع الحضور الجماهيري الكثيف، وتحوّلت لحظة الختام إلى مساحة كشف أكثر منها لحظة وداع. مراسم تكريم الفائزين بجوائز الدورة جاءت كخلاصة رمزية لمسار ثقافي ممتد، لكنها لم تكن المشهد الوحيد في الصورة، إذ استمرت الندوات والجلسات الحوارية حتى الساعات الأخيرة، محتفظة بجمهورها، وهو ما يعكس تحوّلًا ملموسًا في علاقة الزائر بالبرنامج الثقافي، بوصفه جزءًا أصيلًا من تجربة المعرض لا نشاطًا هامشيًا.
داخل أجنحة دور النشر، بلغ النشاط ذروته، مدفوعًا بتخفيضات نهاية الدورة، وتنوّع واسع في الإصدارات، ما كشف عن خريطة اهتمامات قرائية أكثر تنوعًا مما يُتصوَّر، تمتد من الرواية والفكر، إلى التاريخ وكتب الأطفال. حركة الشراء الكثيفة، خاصة في اليوم الأخير، قدّمت مؤشرًا عمليًا على أن الكتاب الورقي لم يفقد مكانته، بل يعيد تعريف حضوره حين تتوافر له المساحة والتنظيم والجمهور.
وعلى مستوى المؤشرات الرقمية، لم يعد الحديث عن الأرقام مجرد عنصر دعائي، بل مفتاحًا للفهم؛ إذ اقترب إجمالي عدد الزوار من ستة ملايين منذ انطلاق الدورة، وهو رقم يفرض قراءة أعمق تتجاوز فكرة “الإقبال”، إلى التساؤل حول ما إذا كان المعرض قد تحوّل من حدث ثقافي سنوي إلى ظاهرة جماهيرية مستقرة، تعكس احتياجًا حقيقيًا للمعرفة، لا مجرد طقس اجتماعي عابر.
كما كشف اليوم الأخير عن حضور لافت للأسر والأطفال، خاصة في المناطق المخصصة للأنشطة الثقافية الموجهة للنشء، في مؤشر على أن الاستثمار في المستقبل الثقافي لم يعد شعارًا، بل ممارسة ملموسة داخل خريطة المعرض، تعيد ربط الأجيال الجديدة بالكتاب بوصفه أداة اكتشاف لا عبئًا دراسيًا.
ومع إسدال الستار على الدورة السابعة والخمسين، يخرج معرض القاهرة الدولي للكتاب من اختبار اليوم الأخير بنتيجة واضحة: الثقافة ما زالت قادرة على الحشد، والكتاب ما زال يمتلك جمهوره، حين يُقدَّم ضمن مشروع منظم ومفتوح. ختام لم يكن نهاية بقدر ما كان قراءة مكثفة لما يمكن أن تكون عليه الثقافة حين تخرج من النخبة إلى المجال العام، وتترك الأرقام والسلوك الجماهيري يتحدثان بدلًا من الخطابات.