حمزة العيلي.. صعود هادئ يسبق عاصفة الحضور

كتبت: غادة عصفور

لم يكن وصول حمزة العيلي إلى هذه اللحظة وليد الصدفة، بل هو حصاد رحلة طويلة من الأدوار المتراكمة، كل شخصية قدمها كانت خيطاً دقيقاً في نسيج أكبر ، خيوط نسجها بعناية وصبر حتى اكتملت لتصنع له سجادته الحمراء الخاصة التي بُسطت له هذا العام ليمضي عليها بثقة، متوجاً بنجاح لم يأتِ فجأة، بل صُنع على مهل، خطوة بعد خطوة.

ولعل الأعمال التي قدمها خلال الأعوام الماضية مثل رسالة الإمام وكارثة طبيعية وغيرها ، كانت إيذاناً ببداية صعود فنان أصبح اليوم مكتمل النضج يملك القدرة على التدرج في الأداء التعبيري بذكاء وانسيابية شديدة ، تماماً كما فاجئنا هذا العام في “حكاية نرجس”.

ففي الوقت الذي تعالت فيه الصيحات والصراعات حول الأعلى مشاهدة والأفضل أداء والأقوى حضور ، نسمع صوتاً لخطوات هادئة ونجم مختبئ بدا يسطع ضوئه من بعيد حتى اكتمل توهجه وأعلن كامل حضوره ، فحين تظن أنك الأقوى والأعلى والأفضل والأهم ثم يأتيك فنان كـ حمزة العيلي ، بأداء يجذب حواسك جميعها دون أن يستخدم المبالغة أو الصراخ ، دون ضجيج واستعراض ، ليقدم من تفاصيل صغيرة تأثيراً كبيراً وانبهاراً لا ينتهي حتى مع انتهاء المشهد.

هذا النجم صاحب البطولة الهادئة الذي أتى من ربوع الصعيد بملامح شرقية تحمل الكثير من الإبداع والقدرة على التغيير والتنقل من حالة لأخرى داخل المشهد الواحد ، بعيداً عن الأداء المسرحي المبالغ ، كيف استطاع العيلي أن ينصهر مع شخصية “عوني” في مسلسل “حكاية نرجس” لتصبح قريبة من الواقع إلى هذا الحد الذي كانت عليه؟

هذا النجاح بالطبع لا ينتقص من براعة أداءه للشخصيات الأخرى التي تزامن عرضها مع “حكاية نرجس” ، ضمن مسلسلي “النص التاني” من خلال حضور  متوازن و”المداح” بتجسيده الصعب لأداء شخصية غير بشربة تطلبت أدوات صوتية وجسدية خاصة لإقناع المشاهد.

في هذا الموسم يحق لحمزة العيلي أن يعتلي البساط الذي ظل يحيكه لسنوات بهدوء واحترافية وسط تصفيق حاد من الجمهور والنقاد وحتى أبناء مهنته ، ولا شك أن وجود ريهام عبد الغفور في العمل قد منحه ثقلاً وتأثيراً ، فالحديث عن أداءها القوي لهذه ‏الشخصية الصعبة المركبة والتحكم في الانفعالات والسيطرة الكاملة على الشخصية يحتاج لمقالة منفردة والكثير الكثير من التقدير والانبهار.

بين الحب والضعف والوصم

قدم مسلسل “حكاية نرجس” نموذجاً مركباً لشخصية الزوج الذي يعيش صراعاً داخلياً حاداً بين الحب والشعور بالضعف والنقص وبين رغبته في فرض السيطرة ورفض الخضوع لأفعال زوجته ، هذا التناقض كان جوهر الشخصية ومحركها الأساسي.

هذه الصورة نجح الكاتب “عمار صبري” في رسمها بكل ما تحمله النفس البشرية من هشاشة داخلية ، وتفوَق “العيلي” في إيصالها لقلب المشاهد بمهارة أداءه الحركي وملامح وجهه التي تنتقل من تعبير لآخر بسلاسة شديدة ، فلم يقدم هذا التناقض بشكل فج أو مباشر، بل تركه يتسلل تدريجيًا من خلال نظراته المترددة، نبرات صوته، وحتى لحظات الصمت.

القضية التي طرحها العمل لا تتعلق فقط بعلاقة زوجية مضطربة، بل تفتح بابًا أوسع للتأمل في مفهوم العلاقات الإنسانية والثقافات المجتمعية المغلوطة ، فهل يمكن للحب أن يكون سبباً للخضوع والتغاضي عن تصرفات الطرف الآخر حتى وإن كانت غير مشروعة وخارجة عن القانون؟ هل يمكن للنوايا الحسنة أن تبرر سلوكيات مؤذية ومحرمة دينياً؟ لماذا يعتبر المجتمع “بموروثاته الشعبية” أن الأشخاص غير القادرين على الإنجاب موصومون! فيتحول الإنجاب من خيار أو قدرة بيولوجية إلى معيار للحكم على القيمة والاكتمال؟

عن غادة عصفور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *