كتب : أحمد حمدالله

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مصطلح تقني يتردد في أروقة الباحثين والمتخصصين، بل أصبح واقعًا ملموسًا يفرض نفسه بقوة على مختلف جوانب الحياة اليومية وبينما ينظر إليه البعض باعتباره قاطرة المستقبل ومحرك التحول الرقمي، يرى آخرون أنه سلاح ذو حدين يحمل في طياته فرصًا هائلة وتحديات لا يمكن تجاهلها.
من جانبه قال الأستاذ الدكتور وائل بدوي، عضو مجلس بحوث الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بأكاديمية البحث العلمي إن الذكاء الاصطناعي يُعد أحد أهم فروع علوم الحاسب الحديثة، مشيرًا إلى أنه يهدف إلى تطوير أنظمة وبرامج قادرة على محاكاة القدرات العقلية للإنسان، مثل التفكير المنطقي، والتعلم من الخبرات السابقة، وتحليل البيانات، واتخاذ القرارات المناسبة في مواقف مختلفة.
طفرة هائلة وركيزة أساسية
وأضاف عضو مجلس بحوث الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن هذه التقنية تعتمد على مجموعة من الأدوات المتقدمة، أبرزها التعلم الآلي، والتعلم العميق، ومعالجة اللغة الطبيعية، ورؤية الحاسب، وهي تقنيات تُمكّن الآلات من فهم الأنماط المعقدة والتفاعل مع البيئة المحيطة بطريقة ذكية ومع الطفرة الهائلة في الحوسبة والبيانات الضخمة، مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي أصبح ركيزة أساسية في التحول الرقمي للمجتمعات.
وأشار “بدوي” إلى أن من أبرز مزايا الذكاء الاصطناعي قدرته الفائقة على معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة ودقة تفوق القدرات البشرية، مما يرفع مستوى الكفاءة والإنتاجية بشكل ملحوظ، لافتا إلى أنه يساهم في تقليل الأخطاء البشرية، ويعمل على مدار الساعة دون توقف، فضلًا عن دوره المحوري في دعم اتخاذ القرار عبر تقديم تحليلات دقيقة وتوقعات مستقبلية تساعد المؤسسات على اختيار البدائل الأفضل، مؤكدا أنه يسهم في تحسين جودة الخدمات، وتوفير الوقت والجهد، وابتكار حلول غير تقليدية لمشكلات معقدة طالما استعصت على الحلول التقليدية.
تحديات ومخاوف مشروعة
جدير بالذكر أنه برغم هذه الإيجابيات، لا يخلو الذكاء الاصطناعي من تحديات تستدعي وقفة جادة، فبحسب الخبراء، قد يؤدي التوسع في استخدامه إلى تقليص بعض الوظائف التقليدية، ما يفرض تحديات على سوق العمل.
كما تبرز مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات وأمن المعلومات، في ظل الاعتماد المتزايد على جمع وتحليل البيانات الشخصية، ويضاف إلى ذلك احتمال وقوع بعض الأنظمة في فخ التحيز نتيجة الاعتماد على بيانات غير متوازنة، فضلًا عن محدودية قدرتها على فهم الأبعاد الإنسانية والأخلاقية بشكل كامل، ولا يمكن إغفال ارتفاع تكاليف تطوير وتشغيل هذه الأنظمة، خاصة في الدول النامية.
كيف نصنع مستقبلًا أكثر أمانًا؟
يرى المتخصصون أن تعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي يتطلب تبني سياسات واضحة تدعم البحث العلمي والابتكار، والاستثمار في تعليم مهارات التكنولوجيا والبرمجة والتفكير التحليلي للأجيال الجديدة.
كما يُعد وضع أطر قانونية وأخلاقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي ضرورة ملحة لضمان توظيفه بشكل آمن وعادل. ويؤكد الخبراء أهمية تعزيز التكامل بين الإنسان والآلة، بحيث يكون الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للقدرات البشرية، لا بديلًا عنها.
كذلك، فإن تطوير البنية التحتية الرقمية ونشر الوعي المجتمعي بالاستخدام المسؤول للتكنولوجيا يمثلان حجر الأساس في بناء مستقبل رقمي أكثر توازنًا.
اقتحام جميع القطاعات
لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على مجال بعينه، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية متعددة.
ففي المجال الطبي، يُستخدم في التشخيص المبكر للأمراض، وتحليل صور الأشعة بدقة عالية، ودعم الأطباء في اتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة.
أما في التعليم، فقد أسهم في تطوير أنظمة تعليم ذكية تراعي الفروق الفردية بين الطلاب، وتقدم محتوى تعليميًا مخصصًا لكل متعلم. وفي القطاع الصناعي، ساعد على تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الأعطال من خلال ما يُعرف بالصيانة التنبؤية.
ويشهد قطاع النقل تطورًا متسارعًا بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في تحسين كفاءة التشغيل وتعزيز السلامة على الطرق، وتُستخدم هذه التقنيات في تحليل البيانات الضخمة للتنبؤ بحركة المرور وتقليل الازدحام، إلى جانب دعم أنظمة المركبات ذاتية القيادة واتخاذ القرارات في الوقت الفعلي،وكما يسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير خدمات النقل الذكي، مثل تطبيقات تحديد المسارات وإدارة الأساطيل، ما يؤدي إلى تقليل استهلاك الوقود وخفض الانبعاثات، ويعكس هذا التحول توجهًا عالميًا نحو بناء منظومة نقل أكثر استدامة وذكاءً تلبي احتياجات المدن الحديثة.
ويمتد حضوره كذلك إلى قطاع المال والأعمال، حيث يُستخدم في تحليل الأسواق، والتنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية، وكشف عمليات الاحتيال. كما يلعب دورًا متناميًا في النقل الذكي، والزراعة الحديثة، والإعلام الرقمي، والأمن السيبراني.
ويلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تطوير قطاع الصناعة، حيث يسهم في تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل التكاليف وزيادة جودة المنتجات ،وتعتمد المصانع الحديثة على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تشغيل الروبوتات، وتحليل البيانات للتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، مما يقلل من فترات التوقف المفاجئ،كما يدعم الذكاء الاصطناعي عمليات التصنيع الذكي وسلاسل الإمداد، من خلال تحسين إدارة المخزون وتسريع عمليات الإنتاج، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للصناعات ويدفع نحو التحول إلى اقتصاد رقمي أكثر تطورًا.
ومن هنا نقول ان الذكاء الاصطناعي ليس خصما للإنسان، ولا بديلًا عنه، بل هو أداة قوية بين يديه. وإذا أُحسن توظيفه ضمن إطار أخلاقي وقانوني واضح، فقد يكون بوابة لعصر أكثر كفاءة وعدالة وجودة في الخدمات، يعود بالنفع على الفرد والمجتمع معًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم