
إعداد: محمد أحمد طه
تُعد معركة بنى عدى ضد الفرنسيين واحدة من أعظم صفحات الجهاد في تاريخ النضال المصري، وذلك وفق ما ورد في أرشيف شيخ الصحفيين الراحل أحمد طه الفرغلى.
كما نسلّط الضوء على أعلام بني عدي من العلماء الراسخين والصوفية المستنيرين، ودورهم الوطني البارز، إلى جانب مواقف رجال الأزهر من أبناء أسيوط في مواجهة ظلم الولاة ومقاومة الغزاة. ونستذكر أيضًا مواقف المفتي الأسبق الشيخ حسين مخلوف، الذي تصدى لتيارات الإلحاد والزندقة بجرأة في الحق، دون أن يخشى سطوة الحكم.
تحية إجلال لشهداء بني عدي، ولكافة شهداء مصر الأبرار.
إن الاحتفال باليوم الوطني لمحافظة أسيوط يمثل مناسبة خالدة تُعيد إلى الأذهان تضحيات أبنائها عبر العصور، وخاصة تلك الملحمة البطولية الفريدة التي شهدتها أرض قرية بني عدي، حيث سالت الدماء الطاهرة لتكتب شعارًا خالدًا: “نموت جميعًا ويحيا الوطن”.
وتروي جريدة “اليوم” قصة البطولة والفداء لأهالي قرية بني عدي الشرفاء، مستعرضة ما كتبه الراحل الكاتب الصحفي أحمد طه الفرغلي، نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة “اليوم” وجريدة “أخبار أسيوط”، التي انفردت على مدار ما يقرب من عشرين عامًا بنشر مقالات تناولت تاريخ هذه القرية كما ورد في كتب المؤرخين، مسجلة صفحات ناصعة من المجد.
لقد خلد التاريخ ذكرى معارك بني عدي ضد الفرنسيين في 18 أبريل عام 1799م، حيث سُطّرت تلك البطولة بأحرف من نور، لتكون قدوة للأجيال في السير على درب الشرف والتضحية، دون اكتراث ببطش المعتدين وسفكهم لدماء الأبرياء.
تحية لشهداء مصر عبر العصور، ولشهداء بني عدي الأحرار، ولأبطال الجيش المصري، ورجال الشرطة الذين يضحون بأرواحهم يوميًا من أجل الأمن والاستقرار.
وبهذه المناسبة، نستحضر بعض أبيات قصيدة “أسيوط في عيدها القومي” للشاعر الكبير عبد المجيد فرغلي النخيلي (1932–2009)، كما وردت في مقدمة كتاب الدكتور محمد رجائي الطحلاوي “شعراء من أسيوط”، حيث يقول:
عيدك القومي يا أسيوط جاء
يمنح الحب ويعطينا الرجاء
عيدك القومي إحياء لماضٍ
خالد الأمجاد أثراه ازدهاء
كم قبسنا منه إلهامًا وسحرًا
واعتزازًا منه نلنا ما نشاء
تلك أسيوط التي نصبو إليها
منائر الأماني ذات سخاء
وكفى من أرضها رواد شعرٍ
من ثرى الريف حازوا الذكاء
من عصاميين شادوا ما بنوه
من خلودٍ شق آفاق الفضاء
يا شبابًا فيك روح المجد ترى
السماء سر إلى العلياء ترعاك
ويواصل الشاعر حديثه عن أعلام أسيوط قائلاً:
ففي الإفتاء كانت ذات يوم
مرجعًا للفقه أَولى باقتداء
أنجبت في الفقه (مخلوفًا) فأفتى
في قضايا الدين ما أروى العلماء
وغدت في الفكر نبراسًا لعصرٍ
خرّجت أفذاذ مصر الأوفياء
فليكن في عيدك القومي نورٌ
وحياةٌ كم جعلناها ضياء
في مجال العلم كم أحيوا تراثًا
إنما الظلماء يجلوها الضياء
أنجبت للعرب عبد الناصر الفذ
وأعلامًا لها صانوا الولاء
عمر مكرم نقيب حسيب
قائد الشعب الذي للعز شاء
وجلال الدين فقهٌ وعلم
صفوة الأعلام فخر العلماء
لقد كان من خير ما أفدناه نحن شعب اسيوط الوطني الكريم وشعب مصر الاصيل من تجربة الاعتداء الفرنسي الغاشم علي أرض بني عدي الطاهرة التي انجبت الاطهار المؤمنين من العلماء والاولياء والمناضلين الاحرار، تلك الغارة الوحشية والاعتداء الاثيم الذي تجلت فيه من ابناء بني عدي اروع ايات الاتحاد والوطنية، وارتفعت موجة الايمان بالله ووقف الجميع علي بابه تعالي، لأنهم بإيمانهم وقوة عقيدتهم يؤمنون بان الحروب دائما أقرب الابواب الي الله.
كانت تحدث الغارة تلو الغارة في الليل والنهار جميعا، فاذا الكل من شعب بني عدي الأبي الوطني المكافح المؤمن ذاكرا الله، فتذكر بطشه تعالى وجبروته وهو فوق عباده، فإذا الايمان قد الهب الحماس وتفجرت ينابيع القوة والغيرة والفدائية، واشترك الكل مع الكل بأرواحهم وأنفسهم في المعركة، فتري الجماهير تتبع مراحل الهجوم والقتال والمطاردة غير مبالين، مكبرين ذاكرين، كأنما هم في افراح لا يكدر صفوهم ولا يعكر حياتهم شيء.
وكان يأتي إليهم خبر الشهيد، فيتلقى أهله الخبر بذكر الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، رضا بقدرة وشكرا له على تشريفهم باستشهاده، لأنهم يعلمون ويعرفون قول الله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون)، ويفتخرون بالتضحية في سبيل الله والوطن، ولا تسمع من احد من اهالي الشهداء الا كلمة الحمد لله على هذه النعمة، ويردون قصص وايات البطولة.
لقد انكشف معدن شعب بني عدي الاصيل العريق في تاريخ صد الغزاة عن الوطن والاسلام، لقد كانت معركة أبناء بني عدى ضد الفرنسيين ومقاومتهم الباسلة من أعظم أحاديث الجهاد في تاريخ النضال الوطني المصري، واحداثه التي مازالت تحتل صفحات خالدة في سجل الوطنية الحافل بعطاء أبناء مصر البررة.
تلك البطولات الخالدة التي أعادت لنا ذكريات معارك وطنية خاضها أبناء مصر الشرفاء، ذكريات اهتزت لها قلوب مؤمنة وفاضت من حولها دماء طاهرة، و خاضتها رجالات وتتابعت عليها بطولات، ونقلت الناس الي مدارج الإيمان بالله والتنافس على التضحية، وعلمتهم من الحقائق وقائع دونها الاساطير.
وعن وصف اهالي بني عدي وما يتمتعون به من عظيم الخصال وحسن الصفات، يقول المؤرخ الكبير علي باشا مبارك في خطط التوفيقية الجزء التاسع صفحة 94:
“وهكذا تجد في اهل هذه البلدة نوعا من التمسك بعوائد العرب فانهم قوم كرام ذو همم عالية وذكاء وفطنة وفصاحة”.
ثم يؤكد علي باشا مبارك عن عراقة اهل بني عدي وطيب عنصرهم وعظمة معدنهم، فيضيف قائلا:
“انهم من قبيلة بني عدي القبيلة المشهورة القرشية”.
وعن معركتهم الضارية التي ضربوا فيها اروع الامثلة من البطولة والفداء والتضحية، فيقول:
“وقد وقع لهم مع الفرنسيين حروب كما في الجبرتي في حوادث سنة 1213، وحاصله أنه في زمن انتشار الفرنسيين في البلاد القبلية من مصر وضربهم الأموال والكلف على أهالي تلك البلاد، امتنع اهالي بني عدي من دفع المال ورأوا في انفسهم الكثرة والقوة، فحضرت اليهم حملة من عساكر الفرنسيين وضربوهم، فخرجوا عليهم وقاتلوهم، فركب عليهم الفرنسيين تلا عاليا وضربوا عليهم بالمدافع قاتلوهم واحرقوا جرونهم، ثم هجموا عليهم واسرفوا في قتلهم ونهبوا وأخذوا شيئا كثيرا أموالا عظيمة وودائع كثيرة كانت عندهم”.
ولقد كان جهاد أبناء بني عدي كبيرا وعظيما، لان قرية بني عدي هي من القري التي انتشرت فيها الحركة الصوفية وكثر وقوي اتباعها منذ قديم الزمان، وان معظم الأولياء والعلماء الاجلاء الذين اثروا المكتبة الاسلامية المؤلفات والموسوعات الاسلامية النافعة من اهل الصوفية الراشدة الرشيدة.
والذين يأتي علي رأسهم الشيخ ابي البركات احمد بن محمد الدروير، والذي كان القطب الكبير، والده من اكابر العلماء ومشايخ الصوفية وأحد رجالاتها المشهورين، وكذلك العلامة الشيخ علي الصعيدي، وكذلك جمهرة كبيرة معروفة يعدون من اعلام العلم واكابر المتصوفين من ال العياط، والذين ينتسبون الي ال البيت الأطهار، وهم معروفون ومشهور لهم بالصلاح والعلم والتقوى، وهم من اصحاب الكرامات ومن رواد العالم الإسلامي.
وكان منهم أمير الفتوى بالصعيد الشيخ احمد بن محمد بن موسي العياط، وغيرهم الكثير والكثير، فقد كان للبيئة والنشأة الصوفية لعلماء واقطاب ورجال بني عدي الاطهار الذين تعلموا من سيرة قادة ومشايخ الصوفية الجهاد والثبات والكفاح والقتال ضد اعداء الدين والوطن.
وكانوا علي دراية بما قام به مشايخ وقادة التصوف من ادوار وطنية كبيرة وقتال عظيم ضد اعداء الدين، فلقد اخذوا القدوة والاسوة من الامام ابو الحسن الشاذلي والامام العز بن عبد السلام والشيخ محيي الدين النووي والسيد البدوي وغيرهم في مكافحة وقتال الافرنج والتتار والصليبيين وغيرهم من الغزاة المعتدين.
وفي التاريخ الحديث، ما قام به زعماء ورجال التصوف من مكافحة الحملة الفرنسية التي جاءت لكي تحتل مصر، فوجدت مقاومة هائلة من جمهور المتصوفة والعلماء الذين جاهدوا بكل الوسائل حتي اقلقوا مضاجعهم وافسدوا عليهم سياستهم واخرجوهم من مصر مدحورين.
وكان لابناء بني عدي من العلماء والمتصوفة دور كبير في هزيمة ودحر الفرنسيين في بني عدي، ويذكر بكل فخر واعتزاز ما قام به جمهور العلماء والمتصوفة الذين قادوا شعب بني عدي الابي للتصدي للعدو الفرنسي الغاشم بكل الوسائل.
وقد تحدث العلامة سعادة علي مبارك عن قرية بني عدي في الجزء التاسع من الخطط التوفيقية الطبعة الأولى الصادرة سنة 1305 هـ من صفحة 94 وحتي 97، فقال عن اهل بني عدي:
“وهي أيضا مشهورة بالعلماء من قديم الزمان، والجامع الأزهر دائما لا يخلو منهم، ولا ينقص المجاورون منهم به عن نحو الثلاثين، ومنهم شيخ رواق الصعايدة دائما، والمؤلفين قديما وحديثا”.
ذكر المرحوم علي باشا مبارك نخبة من العلماء الأجلاء من أبناء قرية بني عدي الذين تخرجوا في رحاب الأزهر الشريف، فقال: ومن أبرزهم الإمام الصعيدي العدوي المالكي، شيخ مشايخ الإسلام وعالم العلماء وإمام المحققين، وكذلك الشيخ محمد بن عبادة، والعارف بالله الشيخ أبو البركات أحمد الدردير، والشيخ أحمد كبوه، والشيخ عبد الله القاضي، والشيخ محمد الحداد العربي، والشيخ محمد قطة العدوي، والشيخ منصور كساب العدوي.
وبفضل بركات هؤلاء العلماء ونفحاتهم الطيبة، كتب الله لهذه القرية وأهلها التوفيق والنجاح. وفي هذا السياق يقول العارف بالله الشيخ قطب بن خليفة بن محمد الشريف الحسني الصنباوي: إن أبناء بني عدي ناجحون في شتى مجالات الحياة، لا يكلّون من العمل، وتحيط بهم البركات، وقد يجعل الله القليل في أيديهم كثيرًا، فلا تزول عنهم النعم كما تزول عن غيرهم. ولم يُعرف عنهم الكسل أو الاشتغال بالمهن الدنيئة، وهو سر من أسرار الله.
وقد تناولت العديد من المراجع هذه الخصائص، ومنها كتاب “مذكرات داعية” للشيخ حسنين مخلوف، الذي عرض مواقفه الجريئة وخلافاته مع رجال الثورة، وتصديه لتيارات الإلحاد والزندقة مثل البهائية والقاديانية. وقد عُرف الشيخ حسنين مخلوف بشجاعته، إذ لم يخشَ سلطانًا إلا الله. ويقول عنه الصحفي رجب البنا: كان نموذجًا في استقامة الفكر والجرأة في الحق، لا ترهبه سلطة ولا غوغائية، ولم يسعَ إلى الشهرة، بل اكتفى بقول كلمة الحق في كتبه وفتاواه ودروسه.
كما تناول المؤرخ الدكتور محمد رجب البيومي في كتابه “الأزهر بين السياسة وحرية الفكر” مواقف مشرّفة لعلماء الأزهر، خاصة في مواجهة الغزو الفرنسي. ومن دواعي الفخر، ونحن نحتفل بتاريخ محافظة أسيوط، أن نستحضر هذه النماذج المضيئة، مثل القاضي ابن دقيق العيد المنفلوطي، الذي رفض إصدار حكم جائر واستقال حفاظًا على نزاهته، وكذلك الإمام أحمد الدردير، والزعيم عمر مكرم، والشيخ محمود أبو العيون، والشيخ محمد بخيت المطيعي، الذي أصدر فتوى قوية بمقاطعة لجنة ملنر، فكان لها صدى واسع حتى أشاد بها سعد زغلول.
ومن أبرز المواقف التي أوردها الدكتور البيومي ما قام به الإمام أحمد الدردير، شيخ المالكية في عصره، من دفاع عن حقوق طلاب الأزهر. فقد اعتدى أحد الأمراء على أوقافهم، فلجأ الطلاب إلى شيخهم، الذي تصدى للأمر بشجاعة. وعندما تجاهل الأمير الحكم القضائي واعتقل بعض الطلاب، قاد الدردير حركة احتجاج واسعة داخل الأزهر، شملت تعطيل الدراسة وإغلاق المسجد، حتى رضخ الأمير وأُطلق سراح المعتقلين، وانتهى الأمر بانتصار الحق.
وقد علّق المؤرخون على هذا الموقف بأنه لم يكن لأحد في ذلك العصر أن يقف في وجه المماليك بمثل هذه الجرأة، مؤكدين أن علماء الأزهر كانوا لسان الشعب والمدافعين عن حقوقه، ولم تكن ثوراتهم لمصالح شخصية، بل نصرةً للحق.
كما سطر أبناء بني عدي مواقف بطولية في مواجهة الحملة الفرنسية عام 1799، حيث تصدوا لها بشجاعة، ودارت معارك استمرت أيامًا. وقد أبدى الفرنسيون دهشتهم من صمود الأهالي، قبل أن يلجؤوا إلى الغدر وقتل عدد كبير من العلماء والزعماء.
وتحكي الروايات أن العديد من معالم القرية تأثرت بتلك الأحداث، وسقط شهداء كثر، منهم علماء وأبطال، مثل الشيخ أحمد حماد العدوي، والشيخ حسن طايع، وغيرهم. كما استشهدت السيدة عز العرب بنت حسن مخلوف أثناء محاولتها إنقاذ طفلها، الذي نجا بفضل عناية أحد أبناء القرية.
وقد شارك في هذه الثورة عدد من علماء وأعيان بني عدي، الذين قدموا تضحيات عظيمة دفاعًا عن دينهم ووطنهم. ويؤكد المؤرخون أن ما تميز به أهل بني عدي من قوة وإيمان كان نتيجة تمسكهم بالدين، وسيرهم على منهج التصوف القائم على الصدق والتواضع والزهد.
وهكذا تظل قصة بني عدي نموذجًا مشرفًا لقرية مصرية عريقة، اتسم أهلها بالإيمان والعمل، وتركوا بصمات واضحة في تاريخ النضال والعلم.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم