تقرير: مروة محي الدين
في إفادة مقتضبة تحدثت وزارة الخارجية الروسية عن استعداد موسكو للوساطة بين طهران ودوّل الخليج، للتوصل لاتفاقات مقبولة بينهما، وقالت: إن ذلك جاء في اتصال بين وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” ونظيره الإيراني “عباس عراقجي”.
الأمر الذي أثار الأحاديث حول مصير العلاقة بين طهران وجيرانها، عقب الضربات المتبادلة، التي جاءت في سياق الحرب مع الولايات المتحدة، بفعل الوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج، فيما كانت إيران تمضي في مسارات لتسوية خلافاتها مع دول الجوار، عملا على إنهاء ذلك الوجود الغربي المؤرق لها في المنطقة.
أين تصفير المشكلات؟
الوضع المتشعب والمعقد ألقى بظلاله على المشهد الأمني والدبلوماسي بين إيران وجاراتها، مثيرًا حالة من عدم اليقين حول الاتفاقات الأمنية والتجارية التي عقدت معها، ما أثار التساؤلات حول: أثر تلك الحرب على مسار تصفير المشكلات أو سياسة الجوار النشطة التي انتهجتها طهران منذ عام 2021، وبدأت في تحقيق مراميها عام 2023، للحد من أثر العزلة الدولية، وتقليل الاعتماد على الغرب، وتأمين العمق الإقليمي بإنهاء الخصومات مع دول الجوار.
وكان ذلك المسار يرتكز على مبدأ (الجار أولًا- Neighborhood Policy)، بهدف: تحييد الضغوط الخارجية: للالتفاف على العقوبات الأمريكية عبر تعزيز التبادل التجاري الإقليمي؛ ونزع فتيل التوتر: بإنهاء حالة الحروب بالوكالة، التي استنزفت الموارد الإيرانية؛ والتحول نحو الشرق: عبر الانضمام لمنظمات دولية، مثل: شنغهاي وبريكس، لتعزيز ثقلها السياسي.
اعتمدت طهران في تلك السياسة على عدة مقومات، كان أهمها: أ) الأمن مقابل الاقتصاد: حيث أدركت أن التنمية الاقتصادية والالتفاف على العقوبات لن ينجح دون استقرار أمني مع دول الجوار؛ ب) تقليل الوجود الأجنبي: إذ روجت لفكرة “دول المنطقة هي من يجب أن تصون أمنها”، ومن هذا سعت إلى إقناع دول الجوار بعدم الحاجة لقواعد أمريكية أو تحالفات مع إسرائيل، مثل اتفاقيات إبراهام، وعلى الرغم من تعقد المشهد بعد الحرب، مازال الخطاب السياسي الإيراني يركز على تلك الفكرة؛ جـ) حل أزمات الوكلاء: حيث كان التفاهمات الأمنية تمهد لعقد هدن في مناطق وجود وكلائها الإقليميين، مثل اليمن وسوريا، بما يسمح لها بإعادة تموضع قواتها ومواردها.
وقد علق الأستاذ “أسامة حمدي”- الباحث المتخصص في الشأن الإيراني- في تصريحات خاصة لجريدة اليوم: “إيران انتهجت سياسة إحياء علاقاتها مع دول الجوار، بتقليل أخطاء الماضي بالتخلي عن الخطاب العدائي معها، في مسعى لتخفيف حدة التوترات معها، فأقامت دبلوماسية لحسن الجوار، لكن تلك الدول مرتبطة بعلاقات أمنية وإستراتيجية مع الولايات المتحدة وحتى دايما بتنظر نظرة شك وريبة لإيران، مهما وقعوا معهم من اتفاقيات، وهو ما حدث مع السعودية برعاية صينية، فيما ترى الأخيرة طهران نظام ثوري مهدد لنظامها الملكي،
وعليه انهارت تلك العلاقات مع أول اختبار حقيقي لها، وهو الحرب، لأنها لم تكن مبنية على ثقة تامة وكاملة بين الطرفين، وكلاهما ينظر للآخر بشك وريبة، وحذر وتوجس، وكلاهما يرى الآخر لا يسعى إلا لإتمام مشروعة الخاص”.
التصفير والاتفاقات الأمنية
الاتفاقات الأمنية والتجارية مثلت أهم ثمار سياسة تصفير المشكلات، وباندلاع الحرب التي كانت ضربة مباشرة لها، راحت الطروحات تتعدد حول مصيرها، ومن هنا تستعرض السطور التالية أهم ملامح الاتفاقات والرؤى المختلفة لمصيرها:
اتفاق بكين 2023
حجر الزاوية الذي اهتز وضعه بشدة مع الضربات بين طرفي الاتفاق- السعودية وإيران، حيث كانت الصين قد تحركت لتقريب وجهات النظر بين البلدين، بعد قطيعة حدثت عام 2016، حتى تمكنت في مارس 2023 من إبرام اتفاق بينهما كانت وسيطاً وضامناً له، وبموجبه تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما، فأعيد فتح السفارات المغلقة بين الجانبين، وتفعيل الاتفاقية العامة للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار 1998.
كما كان تفعيل اتفاقية التعاون الأمني الموقعة في إبريل 2001 شرطًا أساسيا للاتفاق، وكانت تنص على التعاون الاستخباري والميداني لمكافحة الأنشطة التي تزعزع استقرار البلدين، المتمثلة في: مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب- لا سيما الجريمة العابرة للحدود ومكافحة تهريب المخدرات، وتبادل المعلومات والبيانات المتعلقة بالمنظمات الإرهابية أو الجماعات التي تعمل ضد أمن أي من الطرفين؛ وكذلك ضمان الأمن الحدودي والبحري للطرفين لمنع التسلل أو عمليات التهريب، وتقديم المساعدة في حالات الطوارئ في المياه الإقليمية.
وكان أهم بنود تلك الاتفاقية- التي دحضتها الحرب الأخيرة- مبدأ الأمن المتبادل وعدم التدخل، الذي يرتكز على منع الأنشطة المعادية، حيث يتعهد كل طرف بعدم السماح باستخدام أراضيه أو مجاله الجوي في أي نشاط يستهدف أمن الطرف الآخر؛ وكذلك احترام السيادة بضمان عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من الطرفين تحت أي ذريعة أمنية.
حتى ديسمبر 2025، كانت اللقاءات بين الأطراف مستمرة وتؤكد على استمرار العمل بالاتفاق، لكن بعد ضرب القواعد في 2026 وضع المسار الدبلوماسي تحت ضغط كبير، لإبقاء قنوات التواصل المفتوحة وتجنب الانهيار الكامل للتفاهمات، حيث يثور تساؤل: هل لا يزال هذا الاتفاق قائماً؟
المحضر الأمني المشترك
في 19 مارس 2023، وقعت إيران اتفاقية للتعاون الأمني مع العراق، عرفت إعلاميا بالمحضر الأمني المشترك، وذلك قبل أن تعلن مستشارية الأمن القومي العراقي في أغسطس 2025 تطويره ليصبح مذكرة تفاهم أمنية شاملة، تحمل نفس المبادئ ولكن بصيغة أكثر مؤسسية، لضمان استمرارية التنسيق الحدودي، وتمثلت أهم بنوده في تأمين الحدود المشتركة: عبر نشر قوات حرس الحدود العراقية الاتحادية على الخط الصفر الحدودي، لا سيما في إقليم كردستان العراق- الذي كان يشهد توترات كثيرة، ومنع عمليات التسلل غير القانوني.
وتحييد المعارضة الإيرانية: من خلال إلزام العراق بنزع سلاح الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة المتواجدة في الشمال، ونزع سلاح الجماعات المعارضة لإيران في إقليم كردستان، وإغلاق المقار والمعسكرات التابعة لهذه الجماعات القريبة من الحدود الإيرانية، ونقل مخيماتهم إلى عمق الأراضي العراقية بعيداً عن الحدود، لضمان عدم قيامهم بأي أنشطة عسكرية أو هجمات عبر الحدود ضد إيران.
كما شمل المحضر بنودا للتعاون الأمني- كانت مجريات الحرب الأخيرة خرقًا واضحًا لها، حيث تعهد العراق بعدم السماح باستخدام أراضيه لشن اعتداء على إيران أو أي من دول الجوار، والتنسيق الاستخباري لمنع تسلل الجماعات الإرهابية والأسلحة، ولملاحقة العناصر المهددة لأمن البلدين، وتسليم المطلوبين بينهما.
معاهدة إيران – روسيا
وقعت طهران مع موسكو معاهدة إستراتيجية للتعاون الأمني في مطلع عام 2025، ودخلت حيّز التنفيذ في أكتوبر من نفس العام، وتكونت من 47 بندًا لكافة مناحي التعاون السياسي والاقتصادي، تضمن عدم مساندة أي من البلدين لأي عدوان تشنه أطراف أخرى على الطرف الثاني للمعاهدة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية البنى التحتية السيبرانية، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة، والتعاون في تكنولوجيا التصنيع العسكري، وغيرها من مجالات التنسيق السياسي والاقتصادي.
وعلى الرغم من تأكيدات موسكو أن المعاهدة لا تلزمها بالتدخل المباشر، حال وقوع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، نظر لها مراقبون بأنها عضدت موقف طهران بقوة في مواجهة الضغوط الأمريكية، ما أعطي مساحة للمناورة الدبلوماسية.
اتفاقية طهران- إسلام أباد
ظهرت باكستان مؤخرًا باعتبارها وسيطًا محوريا في وقف نزيف الحرب بين إيران والولايات المتحدة، لكن علاقتها الأمنية مع طهران تقوم على أساس اتفاقية أمنية لتأمين الحدود ومكافحة الإرهاب، تم توقيعها عام 2024، عقب توترات ومناوشات بين البلدين في مطلع العام.
تقوم على تأمين الحدود المشتركة من هجمات الجماعات المسلحة، مثل: جيش العدل أو الانفصاليين البلوش، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول مراقبة التحركات الحدودية.
وعلى جانب آخر، عملت إسلام آباد- خلال الحرب الأخيرة- على توظيف ثقلها النووي والعسكري لضمان استقرار الأوضاع الإيرانية، ما رآه مراقبون تحولا في الاتفاقية إلى تحالف إستراتيجي غير رسمي لإدارة الصراعات الكبرى، تضمن فيه باكستان أمن طهران في مواجهة الضغوط الدولية.
تحت الرعاية الأمريكية
لم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أمام التحركات الإيرانية، بل راحت تبرم اتفاقات أخرى في المنطقة، لا يراها المحللون إلا تهديدا للوجود الإيراني، حيث سعت لإبرام اتفاقٍ للدفاع المشترك، لدمج أنظمة الدفاع الجوي العربية مع أنظمة إقليمية لمواجهة المسيرات الإيرانية؛ كما تحدث المستوى السياسي الإيراني عن أن سماح دول عربية للولايات المتحدة باستخدام أراضيها لشن هجماتها على إيران يعود إلى وجود اتفاقات أمنية صامتة بينهما توجب ذلك.
وحول مستقبل هذه الاتفاقات ومحاولة إحيائها، يرى “حمدي” أن إحيائها غير ممكن، لكن الأقرب للحدوث هو “حدوث اتفاق جديد يعيد ترتيب مفاهيم الأمن في الإقليم، ويمنع انزلاق الأوضاع مرة أخرى إلى حافة الهاوية، لأن استمرار الحرب سيدفع ثمنه الجميع، لا سيما دول الخليج التي يقوم اقتصادها على تصدير النفط والغاز، ما يلزمه استقرارًا سياسيًا وأمنيًا في الاقليم؛
وعليه سيجلس الطرفين على طاولة التفاوض لوضع اطر جديدة لاتفاق يحقق مكاسب الطرفين ويحفظ أمنهما، وهناك تسريبات حول مساعي سعودية لهذا الغرض، وبالطبع سيكون برعاية باكستانية والصينية وتركية باعتبارهم ضامني الاتفاق”.
على الرغم من أن مسار تصفير المشكلات بدأ بزخم كبير، وأمال أكبر في تحقيق الأمن الإقليمي المشترك، وضعت الحرب الأخيرة اتفاقاته تحت المجهر، فيما إن كانت تمثل صمامات أمان لمنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، أو تتحول إلى رهان خاسر، يبدأ معه عصر الواقعية الخشنة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم