“غزة الجديدة” بلا الأونروا الشاهد على النكبة.. هل يُدفن حق العودة؟

“لا مكان للأونروا في غزة الجديدة”.. رصاصة سياسية أطلقها مجلس السلام في قطاع غزة عبر طرح رؤيته لمستقبل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.

ومن خلال منشور نشره المجلس على منصة “إكس”، أكد أنه يسعى إلى إنهاء ما وصفه بـ”الاعتماد المستمر على المساعدات”. كما أضاف أن “سكان غزة يستحقون أكثر من ذلك”.

وجاء إعلان المجلس في سياق الحديث عن إعادة تشكيل واقع غزة بعد حرب الإبادة، ما فتح الباب أمام مخاوف واسعة تتعلق بحق العودة.

مجلس السلام

على صعيد متصل، يُعد مجلس السلام في قطاع غزة هيئة إدارية انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، تتولى وضع إطار عمل لإعادة تنمية القطاع وتنسيق التمويل الدولي.

ويشكل المجلس أحد البنود الرئيسية في الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 سبتمبر 2025، والتي حظيت لاحقًا بتأييد مجلس الأمن الدولي.

كما يُعتبر المجلس أحد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب “مجلس غزة التنفيذي” و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة” و”قوة الاستقرار الدولية”.

وأرفق المجلس تصريحه بمقطع مصور يتضمن جزءًا من كلمة الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة جيف بارتوس، الذي انتقد دعم الأونروا بشدة.

ودعا بارتوس الدول إلى الاختيار بين “تمويل التحريض والإرهاب والجمود” أو تمويل مجلس السلام، وفق ما ورد في المقطع المصور المرفق بالمنشور.

شاهد على النكبة

لا يقتصر استهداف الأونروا على دورها الإنساني والإغاثي فقط، بل يمتد إلى مكانتها السياسية والرمزية المرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.

وتأسست الوكالة عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتتولى رعاية اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها المختلفة داخل المنطقة العربية.

كما تمثل الأونروا شاهدًا دوليًا على النكبة الفلسطينية، وتجسيدًا للمسؤولية الدولية تجاه ملايين اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في عدة دول ومناطق.

ويرتبط وجود الوكالة بشكل مباشر بالقرار الأممي رقم 194، الذي أكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وتعويض المتضررين منهم.

ونص القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة على “وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم”.

محاولة شطب قضية اللاجئين

يرى الباحث الفلسطيني نعمان توفيق العابد أن استهداف الأونروا يتجاوز البعد الإغاثي إلى محاولة إعادة تعريف قضية اللاجئين الفلسطينيين سياسيًا وقانونيًا.

ويقول العابد في حديثه لـ”اليوم” إن “الحديث عن إنهاء دور الأونروا لا يمكن فصله عن محاولات شطب الصفة القانونية والسياسية لقضية اللاجئين الفلسطينيين”.

ويضيف أن “الأونروا ليست مجرد مؤسسة خدماتية، بل تمثل اعترافًا دوليًا مستمرًا بوجود قضية لاجئين لم تُحل منذ النكبة الفلسطينية”.

ويؤكد الباحث الفلسطيني أن “إضعاف الوكالة أو استبدالها بهياكل جديدة يعني عمليًا نقل القضية من بعدها السياسي إلى إطار إنساني مؤقت”.

كما يشدد العابد على أن “مصطلح غزة الجديدة يحمل أبعادًا سياسية خطيرة، لأنه يوحي بفصل القطاع عن القضية الفلسطينية الشاملة وواقع اللاجئين”.

غضب فلسطيني

أكدت وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان رسمي أن الأونروا “شريان حياة وغير قابلة للاستبدال”، مشددة على أنها تأسست بقرار دولي واضح.

كما أعربت الخارجية الفلسطينية عن رفضها أي تصريحات تنتقص من دور الوكالة دون معالجة جذور معاناة اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية الثابتة.

ورفضت الوزارة كذلك المصطلحات التي تحاول تفتيت الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية، وعلى رأسها مصطلح “غزة الجديدة” أو “شعب غزة”.

وبدورها، أدانت جامعة الدول العربية تصريحات مجلس السلام، معتبرة أنها تفتقر إلى أي أساس قانوني أو إنساني وتمثل استهدافاً مباشراً للاجئين الفلسطينيين.

وشددت الجامعة العربية على أن الأونروا أُنشئت بموجب قرار الجمعية العامة رقم 302 لعام 1949، ولا يجوز إنهاء دورها قبل تسوية عادلة لقضية اللاجئين.

في السياق ذاته، استنكرت حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” التصريحات الصادرة عن مجلس السلام، وأكدت الحركة أن هذا الموقف ينسجم مع سياسة الاحتلال الرامية إلى تقويض دور الوكالة الأممية وإضعاف حضورها الإنساني والسياسي داخل الأراضي الفلسطينية.

وقالت حماس إن الأونروا تمثل شاهدًا دوليًا على نكبة الشعب الفلسطيني وتجسيدًا للمسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948.

وشددت الحركة على أن ولاية الوكالة تستند إلى تفويض صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا يمكن إلغاؤها بقرارات أو ضغوط سياسية.

ضغوط وأزمات

تواجه الأونروا ضغوطًا إسرائيلية وأمريكية متواصلة، إلى جانب أزمة مالية حادة تهدد قدرتها على مواصلة تقديم خدماتها الأساسية لـ 1.7 مليون  الفلسطينيين، في قطاعات التعليم والصحة والإغاثة الاجتماعية في مناطق عملياتها الخمس داخل المنطقة العربية.

وكانت الولايات المتحدة، التي كانت تُعد أكبر مانح للأونروا، قد أوقفت تمويلها مطلع عام 2024 عقب اتهامات إسرائيلية لموظفين بالوكالة.

وزعمت إسرائيل، دون تقديم أدلة معلنة، أن عددًا محدودًا من موظفي الوكالة شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر 2023 داخل الأراضي المحتلة.

وفي مؤتمر للمانحين بنيويورك، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الأونروا تقف أمام منعطف خطير يهدد بقاءها.

وأكد غوتيريش أن الوكالة تواجه فجوة تمويلية تُقدّر بنحو 100 مليون دولار، وسط قيود إسرائيلية وضغوط سياسية وتشريعية متصاعدة ضدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *