نميري شومان يكتب : استقبال في الصحراء… وفرحة كان مكانها شوارع القاهرة

سياسيًا، ما حدث في الأيام الماضية لم يكن مجرد إنجاز كروي، بل كان لحظة وطنية نادرة. لحظة اجتمع فيها المصريون على قلب رجل واحد، واختفت فيها مؤقتًا كل الخلافات والانقسامات، وحضر اسم مصر وحده

رأينا شعبًا فرحًا من قلبه، يستعيد ثقته بنفسه، ويشعر بالفخر والعزة. شعبًا عاشقًا لكرة القدم، لكنه هذه المرة لم يكن سعيدًا بالنتيجة فقط، بل كان راضيًا عن الأداء، مؤمنًا بأن منتخب بلاده قاتل بشرف وقدم ما يليق باسم مصر.

المشهد لم يكن داخل الملاعب فقط. المصريون في الخارج صنعوا ملحمة حقيقية في التشجيع، وكأن المسافات ذابت أمام حب الوطن. والأجمل أن المباراة جمعت حول الشاشة كل أطياف المجتمع؛ أناس يختلفون في كل شيء، لكنهم اتفقوا على حب مصر. رأيت وجوهًا بكت من الفرحة، وأخرى احتضنت بعضها البعض، وشعرت أن الانتماء كان هو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الجميع.

سياسيًا، هذه اللحظات تساوي الكثير. فهي تخفف من ضغوط الحياة الاقتصادية، وتمنح الناس جرعة أمل يحتاجونها، وتعيد إليهم الإحساس بأن لديهم ما يستحق الفخر. في ظل سنوات من الضغوط والإحباط، يصبح من حق الناس أن يعيشوا فرحتهم كاملة

بعد رحلة شاقة وطويلة، كان مكان الأبطال وسط الناس، في شوارع القاهرة والإسكندرية والمحافظات، بين الجماهير التي علقت عليهم أحلامها ودموعها وفرحتها. كان يستحق المصريون يومًا كاملًا يحتفلون فيه بمنتخبهم، وكان يستحق اللاعبون أن يروا بعينهم حجم الحب الذي منحهم إياه الشعب.

أما مرور حافلة مفتوحة في منتصف النهار وعلى طرق مفتوحة بعيدًا عن الكتلة الجماهيرية، فلم يكن يوازي حجم الحدث ولا حجم المشاعر التي صنعها المنتخب.

الأهم من ذلك أن مصر كانت حديث العالم بعد المباراة الأخيرة، وتصدرت مؤشرات البحث ومنصات التواصل. كانت فرصة ذهبية للترويج للسياحة، وإرسال رسائل سياسية إيجابية، وتقديم صورة مبهرة عن بلد يعرف كيف يحتفل بنجاح أبنائه. مثل هذه الفرص تنفق عليها دول مليارات الدولارات، بينما جاءت إلينا مجانًا.

كان يمكن تحويلها إلى مشهد تاريخي يبقى في ذاكرة العالم، ويحقق مكاسب سياسية وسياحية وإعلامية كبيرة.

إلى كل مسؤول… لا تنظر إلى مثل هذه اللحظات باعتبارها مجرد احتفال، بل باعتبارها استثمارًا في الروح الوطنية. فالفرح العام رأس مال سياسي واجتماعي لا يقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي.

فالناس، يا عزيزي المسؤول، هم مصدر قوة الدولة الحقيقي. وإذا اجتمعوا على الحب والفخر والانتماء، فلا تحرمهم من التعبير عنه… لأن الأوطان لا تُبنى بالمشروعات وحدها، بل تُبنى أيضًا بالمشاعر التي تجمع أبناءها حول علم واحد وحلم واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *