رحيل كوزو أوكاموتو.. آخر منفذي عملية اللد ونصف قرن في نصرة فلسطين

“إنني بصفتي جنديًا في الجيش الأحمر الياباني أحارب من أجل الثورة العالمية، وإذا متُّ فسأتحول إلى نجم في السماء”.. بهذه الكلمات التي قالها داخل قاعة المحكمة الإسرائيلية عام 1973، رسم الياباني كوزو أوكاموتو ملامح صورته التي سترافقه حتى وفاته، باعتباره أحد أكثر الأسماء الأجنبية ارتباطًا بالقضية الفلسطينية.

وبعد أكثر من نصف قرن على تلك المحاكمة، أسدل الستار، الخميس، على حياة الرجل في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث توفي عن عمر ناهز 78 عامًا، بعد سنوات طويلة قضاها بين السجن والمنفى واللجوء السياسي، فيما ظل مطلوبًا للسلطات اليابانية والولايات المتحدة حتى أيامه الأخيرة.

ولم يكن خبر وفاة أوكاموتو، المعروف عربيًا باسم “أحمد الياباني”، مجرد إعلان عن رحيل شخصية ارتبطت بواحدة من أشهر العمليات المرتبطة بتاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل أعاد إلى الواجهة سيرة رجل اختار أن يغادر بلاده في أقصى شرق آسيا ليجعل من القضية الفلسطينية محور حياته، ويدفع ثمن ذلك عقودًا من المطاردة والعزلة والمنفى.

فقلّما ارتبط اسم أجنبي بالقضية الفلسطينية كما ارتبط اسم الشاب الياباني الذي ترك جامعته ووطنه، واختار أن يقضي معظم حياته بين السجن والمنفى واللجوء دفاعًا عن القضية التي آمن بها، حتى أصبح أحد أبرز الوجوه الأجنبية التي ارتبط اسمها بتاريخ المقاومة الفلسطينية.

وأعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نبأ وفاته في بيروت، مؤكدة أنه ظل متمسكًا بمواقفه حتى النهاية، وأن حياته ارتبطت بالدفاع عن القضية الفلسطينية منذ انضمامه إلى صفوفها مطلع سبعينيات القرن الماضي.

This photo taken 10 July 1972 shows Kozo Okamoto (C) -- the only surviving member of the three-man "Japanese Red Army" (JRA) commando unit that killed 26 people in an attack on Israel's Lod airport earlier on May 30 -- during the opening of his trial before a military tribunal at an undisclosed location in central Israel. Okamoto, who was sentenced to life imprisonment in Israel for the May 1972 attack on Tel Aviv's Lod airport that left 36 people dead and 78 wounded, was freed in 1985 with over a thousand other prisoners in an exchange for captured Israeli soldiers. (Photo by AFP)

من اليابان إلى فلسطين

وُلد كوزو أوكاموتو في السابع من ديسمبر عام 1947 بمدينة كوماموتو جنوب اليابان، داخل أسرة متوسطة الحال تضم سبعة أبناء، وكان أصغرهم سنًا.

ودرس علم النبات قبل أن تجذبه الأفكار اليسارية التي اجتاحت الجامعات اليابانية خلال ستينيات القرن الماضي، وعُرف بشغفه باللغات، فأتقن الإنجليزية والعربية والعبرية والصينية والروسية، وهي مهارات رافقت انتقاله لاحقًا إلى ساحات العمل السياسي.

ومع تصاعد المد اليساري، انضم عام 1966 إلى الجيش الأحمر الياباني، وهو تنظيم ثوري تبنى الفكر الماركسي اللينيني، ورفع شعار الثورة العالمية ومواجهة الإمبريالية، قبل أن يوطد علاقاته مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة وديع حداد.

وخضع أوكاموتو لتدريبات عسكرية في معسكرات الجبهة الشعبية، وحصل على الاسم الحركي “أحمد”، ليصبح أحد أبرز العناصر الأجنبية المنخرطة في صفوف المقاومة الفلسطينية، في تجربة عكست طبيعة التحالفات التي جمعت آنذاك بعض الحركات اليسارية العالمية بفصائل المقاومة الفلسطينية.

العملية التي غيّرت حياته

ظل اسم كوزو أوكاموتو مجهولاً خارج الأوساط التنظيمية حتى الثلاثين من مايو عام 1972، عندما شارك مع ياسويوكي ياسودا وأوكوديرا تسويوشي في عملية مطار اللد، بعد وصولهم على متن رحلة قادمة من روما.

ورأت الجبهة الشعبية آنذاك أن الاستعانة بمقاتلين يابانيين يمنح العملية عنصر المفاجأة، إذ لم تكن أجهزة الأمن الإسرائيلية تتوقع وصول منفذين آسيويين، وهو ما جعل العملية إحدى أبرز العمليات العابرة للحدود في تلك المرحلة.

وأخرج الثلاثة أسلحة رشاشة وقنابل يدوية كانت مخبأة داخل حقائبهم، وبدأوا بإطلاق النار داخل صالة الوصول، ما أسفر عن مقتل 26 شخصًا وإصابة أكثر من 70 آخرين، بينهم إسرائيليون وأجانب وحجاج مسيحيون من بورتوريكو، فيما قُتل اثنان من المنفذين وأُلقي القبض على أوكاموتو بعدما أصيب خلال العملية.

وأحدثت العملية صدمة دولية واسعة، كما أصبحت نقطة تحول في إجراءات أمن المطارات حول العالم، وربطت اسم أوكاموتو نهائيًا بتاريخ القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل.

سنوات السجن والمحاكمة

بعد اعتقاله، خضع أوكاموتو لتحقيقات ومحاكمة استندت إلى أنظمة الطوارئ التي تعود إلى فترة الانتداب البريطاني، قبل أن تصدر المحكمة الإسرائيلية بحقه ثلاثة أحكام بالسجن المؤبد في يوليو عام 1973.

وخلال المحاكمة، أطلق عبارته الشهيرة التي ظلت تتردد لعقود، مؤكدًا أنه يقاتل من أجل الثورة العالمية، وأن الموت بالنسبة إليه ليس نهاية، بل تحول إلى “نجم في السماء”.

وبعد العملية، أعلن الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، الذي كان متحدثًا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تبني الجبهة للعملية بالتعاون مع الجيش الأحمر الياباني، قبل أن يغتاله الموساد في بيروت بعد أسابيع قليلة.

وقضى أوكاموتو نحو ثلاثة عشر عامًا في السجون الإسرائيلية، أمضى معظمها في الحبس الانفرادي، وروى بعد الإفراج عنه أنه تعرض لظروف احتجاز قاسية تركت آثارًا عميقة على صحته الجسدية والنفسية، قبل أن يخرج ضمن واحدة من أشهر صفقات تبادل الأسرى بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

الحرية بثمن المنفى

في مايو عام 1985، أُفرج عن أوكاموتو ضمن صفقة تبادل الأسرى المعروفة باسم “اتفاقية جبريل”، التي أبرمت بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، لينتهي بذلك فصل السجن، لكنه يدخل مرحلة جديدة عنوانها المنفى الدائم.

وتنقل بعد الإفراج عنه بين ليبيا وسوريا، قبل أن يستقر في لبنان مستخدمًا وثائق مزورة، حيث عاش بعيدًا عن الأضواء، بينما استمرت السلطات اليابانية في ملاحقته.

وفي عام 1997، ألقت السلطات اللبنانية القبض عليه مع عدد من رفاقه بتهمة استخدام وثائق مزورة، وحُكم عليهم بالسجن ثلاث سنوات، لكن القضية سرعان ما تحولت إلى قضية رأي عام في لبنان، إذ خرجت تظاهرات واعتصامات رفضًا لتسليمه إلى اليابان، بينما قاد حقوقيون وسياسيون حملة للدفاع عنه باعتباره من أبرز الداعمين الأجانب للقضية الفلسطينية.

كما تجمهر المئات أمام مبنى وزارة الداخلية اللبنانية، مطالبين بالإفراج عنه، فيما تصاعدت الضغوط الشعبية والسياسية التي انتهت بعد سنوات بمنحه اللجوء السياسي.

Kozo Okamoto (C) -- the only surviving member of the three-man "Japanese Red Army" (JRA) commando unit that killed 26 people in an attack on Israel's Lod airport on May 30, 1972 -- attends a ceremony organised by Palestinian militants to mark the 50th anniversary of the Lod attack in Lebanon's capital Beirut on May 30, 2022. Palestinian militants in Beirut on May 30 marked the 50th anniversary of a deadly attack carried out by members of the Japanese Red Army at Israel's Lod airport. Kozo Okamoto, the only surviving member of the three-man commando that killed 26 people (including 17 Christian pilgrims from Puerto Rico) on May 30, 1972, made a rare appearance at the ceremony. The attack was planned by the Popular Front for the Liberation of Palestine (PFLP), which has commemorated it every year for a half a century. (Photo by JOSEPH EID / AFP)

لاجئ استثنائي

عقب انتهاء فترة سجنه، رحّلت السلطات اللبنانية رفاقه إلى اليابان، بينما اتخذت قرارًا استثنائيًا بمنح أوكاموتو اللجوء السياسي عام 2000، في سابقة نادرة داخل بلد لا يعتمد نظام اللجوء السياسي بالشكل التقليدي.

وعاش منذ ذلك الحين في بيروت تحت رعاية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ملتزمًا بشرط الابتعاد عن النشاط السياسي والإعلامي، فيما ظل مكان إقامته بعيدًا عن الأضواء، ولم يظهر علنًا إلا في مناسبات محدودة، أبرزها مشاركته في فعالية داخل مخيم شاتيلا عام 2022 بمناسبة مرور خمسين عامًا على عملية مطار اللد.

ورغم مرور العقود، بقيت السلطات اليابانية تطالب بتسليمه، كما أعلنت الولايات المتحدة مكافأة مالية مقابل معلومات تقود إلى القبض عليه، ليظل اسمه حاضرًا في قوائم المطلوبين حتى إعلان وفاته.

تحالف عابر للقارات

ارتبط اسم أوكاموتو ارتباطًا وثيقًا بالجيش الأحمر الياباني، وهو تنظيم يساري ثوري تأسس عام 1971 بقيادة فوساكو شيغينوبو، وتبنى أفكارًا ماركسية تدعو إلى إسقاط النظام الإمبراطوري في اليابان وإشعال ثورة عالمية ضد الرأسمالية.

وأقام التنظيم تحالفًا وثيقًا مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتلقى عدد من أعضائه تدريبات عسكرية في لبنان، قبل أن ينفذ عمليات احتجاز رهائن وخطف طائرات وعمليات مسلحة في عدة دول، بينما أعلن حل نفسه رسميًا عام 2001 بعد اعتقال معظم قادته وعناصره.

Japanese terrorist Kozo Okamoto in an Israeli military court as his trial opens at Zrifin Army Camp, Israel, 12th July 1972. Okamoto was one of three Japanese Red Army members, recruited by The Popular Front for the Liberation of Palestine, who opened fire indisciminately on passengers and staff at Lod Airport, Tel Aviv on 29th May 1972, killing 26 and injuring 78. (Photo by Keystone/Hulton Archive/Getty Images)

نصف قرن من المنفى

برحيل أحمد الياباني، تُطوى صفحة واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ التضامن العالمي مع فلسطين؛ شاب جاء من أقصى شرق آسيا، وترك وراءه عائلته ووطنه ولغته، ليقضي أكثر من نصف قرن من حياته بين السجون والمنافي واللجوء، مؤمنًا بأن فلسطين كانت قضيته التي تستحق أن يكرس لها حياته حتى النفس الأخير.

وظل أوكاموتو حتى وفاته يحمل اسمه الحركي “أحمد”، فيما بقيت فلسطين عنوانًا ثابتًا في سيرته، ليغادر العالم كما عاشه؛ بعيدًا عن وطنه الأصلي، قريبًا من القضية التي اختارها وطنًا معنويًا منذ أكثر من خمسين عامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *