تشهد محافظة الفيوم تحولًا تنمويًا شاملًا تقوده المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، حيث انتقلت المشروعات من حيز المخططات التنفيذية إلى واقع ملموس غيّر خريطة البنية الأساسية والخدمات الحكومية والصحية والتعليمية في قرى الريف، بعد عقود طويلة واجهت خلالها المحافظة تحديات تتعلق بضعف الخدمات ومعدلات الفقر.
وأظهرت المؤشرات التنموية الحديثة ارتفاع مؤشر التنمية البشرية بالفيوم ليسجل 0.702، مقارنة بـ(0.620 – 0.640) في عام 2015، لتتقدم المحافظة إلى المرتبة 17 على مستوى الجمهورية بدلًا من المرتبة 22، متزامنًا مع تراجع معدل الفقر من 32.5% إلى 26.4%، بانخفاض بلغ 6.1 نقطة مئوية.
وتتولى الأجهزة التنفيذية بمحافظة الفيوم، برئاسة محافظ الفيوم الدكتور محمد هانئ غنيم، وبمتابعة ميدانية من نائبه الدكتور محمد التوني، الإشراف المستمر على مشروعات المبادرة الرئاسية، بالتنسيق مع رئيس مركز ومدينة إطسا جمال العوامي، ونواب رئيس المركز لشؤون المدينة والقرى محمد محمود مدين وعبد الحميد عبد المولى التومي، والسيد أحمد منير سكرتير عام مركز ومدينة إطسا، إلى جانب رئيس الوحدة المحلية لقرية الغرق شعبان علي عطية؛ وذلك لمتابعة معدلات التنفيذ والتشغيل التجريبي للمجمعات الخدمية والزراعية وضمان جاهزيتها لتلبية احتياجات المواطنين.

خريطة المرحلة الأولى: إنجاز 95% من المشروعات بمركزي إطسا ويوسف الصديق
تركزت المرحلة الأولى من المبادرة الرئاسية داخل 69 قرية وتوابعها بمركزي «إطسا» و«يوسف الصديق»، بإجمالي استثمارات تجاوزت 20.3 مليار جنيه لتنفيذ نحو 1300 مشروع تنموي وخدمي، وبلغت نسب التنفيذ الإجمالية ما بين 92% و95%، حيث تم الانتهاء الفعلي من 1077 مشروعًا، وسُلِّم منها 364 مشروعًا للمواطنين لتبدأ تقديم خدماتها رسميًا.
لكن أهمية التجربة لا تكمن في الرقم وحده، وإنما في تنوع المجالات التي امتدت إليها المشروعات، فالتنمية هنا لم تُختزل في إنشاء مبنى أو رصف طريق، بل تحركت في مسارات متوازية تستهدف بناء بيئة متكاملة للحياة والإنتاج.
ففي قطاع الخدمات الحكومية، شهدت القرى إنشاء وتجهيز 40 مجمعًا للخدمات الحكومية المتكاملة و20 مجمعًا خدميًا مميكنًا بالكامل، بما يضم خدمات الشهر العقاري والسجل المدني والبريد والمراكز التكنولوجية، مع تدريب 450 موظفًا على تشغيل الخدمات رقميًا. والفكرة في جوهرها تتجاوز إنشاء المبنى إلى تقليل المسافة بين المواطن والخدمة، وتحويل القرية من نقطة بعيدة عن مركز القرار إلى مساحة قادرة على تقديم خدماتها الأساسية بالقرب من السكان.
وفي المجال الزراعي، أُنشئ 20 مجمعًا زراعيًا وبيطريًا متكاملًا، من بينها 12 مجمعًا في مركز إطسا، بما يوفر خدمات الإرشاد الزراعي والطب البيطري والجمعيات الزراعية ومستلزمات الإنتاج في نطاق القرى والمناطق الزراعية نفسها. وهو مسار مهم لمحافظة تعتمد قطاعات واسعة من سكانها على النشاط الزراعي، لأن تحسين الخدمة لا يعني فقط رفع مستوى المعيشة، بل دعم القدرة الإنتاجية للمواطن نفسه.
أما المياه والصرف الصحي، فقد استحوذا على مساحة ضخمة من عملية التطوير، بإجمالي 345 مشروعًا، تضمنت 220 مشروع صرف صحي، من بينها 10 محطات معالجة و42 محطة رفع و105 مشروعات لخطوط الانحدار، إلى جانب إنجاز شبكات ووصلات المياه المنزلية بنسبة 100%، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.
وفي الوقت نفسه، شهدت محطة مياه العزب الجديدة توسعة في مرحلتها الثالثة بتكلفة 490 مليون جنيه وطاقة 120 ألف متر مكعب يوميًا، لتصل الطاقة الإنتاجية الإجمالية للمحطة إلى نحو 600 ألف متر مكعب يوميًا، وتخدم ما بين 65% و70% من قرى المحافظة، بينما جرى تطوير محطة قحافة بتكلفة 301 مليون جنيه لخدمة نحو 340 ألف نسمة.
وفي التعليم، لم يكن الهدف مجرد زيادة عدد المدارس، وإنما التعامل مع مشكلة الكثافات وتحسين فرص الوصول إلى التعليم في القرى. فقد جرى تنفيذ وتطوير 155 مشروعًا تعليميًا، دخل منها 138 مشروعًا الخدمة، بنسبة تنفيذ بلغت 98%، وأسهمت المشروعات في توفير 351 فصلًا دراسيًا جديدًا.
وفي الصحة، امتد التطوير إلى 82 مشروعًا صحيًا، بينها 63 وحدة صحية ومراكز طب أسرة جرى تجهيزها للانضمام إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، إضافة إلى 19 نقطة إسعاف، بما يعكس انتقال مفهوم التنمية الصحية من مجرد علاج المرض إلى بناء شبكة خدمات أكثر قربًا من المواطن.
وتكاملت هذه المشروعات مع تطوير شبكة الحركة والاتصال والطاقة؛ إذ شملت الخطة تنفيذ 134 مشروع طرق، من بينها طريق إطسا/الغرق وطريق الساحل الجنوبي لبحيرة قارون بطول 60 كيلومترًا، إلى جانب 96 مشروعًا للاتصالات والألياف الضوئية و65 مشروعًا لتوصيل الغاز الطبيعي. وهنا تظهر فلسفة أكثر شمولًا للتنمية؛ فالقرية الحديثة تحتاج إلى طريق يربطها بالأسواق، واتصال رقمي يربطها بالعالم، وطاقة وخدمات أساسية تمكنها من التحول من مجرد منطقة سكنية إلى وحدة اقتصادية منتجة.
وتبرز تجربة مركز إطسا بوصفها واحدة من أكثر النماذج دلالة على حجم التغيير، فقد عانى المركز في السابق ارتفاع معدلات الأمية، التي بلغت بين من تزيد أعمارهم على عشر سنوات نحو 27.2%، لترتفع إلى 31.2% بين الإناث مقابل 23.5% بين الذكور.
ومع دخول مشروعات «حياة كريمة» إلى القرى، بدأت ملامح مختلفة في الظهور، ليس فقط في البنية الأساسية، وإنما في تقييم المواطنين أنفسهم لما تحقق.

وبحسب نتائج الاستطلاع الميداني الواردة في التقرير، أكد 94.7% من المشاركين في مركز إطسا أن مشروعات «حياة كريمة» أحدثت نقلة نوعية حقيقية في تنمية الحياة الريفية، فيما أعرب 69% عن رضاهم التام عن الخدمات الصحية والوحدات المطورة حديثًا.
وفي قرية «الغرق»، تبدو التنمية أكثر قربًا من تفاصيل الحياة اليومية، فمد شبكات المياه، واستكمال الصرف الصحي، ورصف طريق إطسا/الغرق، وإنشاء المجمع الزراعي، كلها تغييرات لا تُقاس فقط بتكلفة تنفيذها، وإنما بعدد الساعات التي يوفرها المواطن، وبمستوى الأمان الصحي الذي يكتسبه، وبقدرته على العمل والإنتاج داخل بيئته المحلية.
والأهم أن التنمية الاقتصادية لم تُترك خارج المشهد، فقد ضخ جهاز تنمية المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر نحو 3.1 مليار جنيه لتمويل 133.9 ألف مشروع، أسهمت وفق البيانات الواردة في توفير أكثر من 184.9 ألف فرصة عمل مستدامة لأبناء المحافظة. وهذا الرقم يضع التشغيل والتمكين الاقتصادي في قلب المعادلة، لأن نجاح التنمية لا يكتمل ببناء البنية الأساسية ما لم يتحول المواطن من متلقٍ للخدمة إلى شريك في الإنتاج.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح مشروع «حياة كريمة» أكثر من برنامج للخدمات العامة؛ إنه محاولة لإعادة بناء الاقتصاد المحلي من القاعدة، عبر تحسين البيئة التي يعمل فيها المواطن، وفتح مسارات للتمويل والمشروعات الصغيرة، وتقليل تكلفة الحصول على الخدمات، وربط القرى بشبكات الطرق والاتصالات والمرافق.
وفي الوقت نفسه، تزامن التطوير مع جهود لفرض الانضباط العمراني وحماية الأراضي الزراعية، وهي قضية ذات أهمية خاصة في محافظة تمتلك قاعدة زراعية وبيئية مهمة.
وتشير نتائج الاستطلاع الواردة في التقرير إلى أن 97% من المواطنين المبحوثين أكدوا اختفاء مخالفات البناء والتعديات غير القانونية في الآونة الأخيرة، مع استمرار المتابعة الميدانية للحفاظ على الرقعة الزراعية.

ولا تتوقف القصة عند المرحلة الأولى، فالمشهد يمتد إلى مراحل جديدة من التطوير. وتستهدف الاستعدادات للمرحلة الثانية مركزي الفيوم وطامية، وفي مركز الفيوم وحده تستهدف الخطة تطوير 43 قرية تتبع 13 وحدة محلية أم، مع التركيز على الوصول بتغطية الصرف الصحي إلى 100% لحماية البيئة وبحيرة قارون.
أما المرحلة الثالثة، فتتجه إلى إدراج مركزي أبشواي وسنورس، بما يفتح الطريق أمام استكمال التغطية التنموية لمختلف الوحدات القروية بالمحافظة. وبذلك يتحول ما بدأ في إطسا ويوسف الصديق إلى مسار أوسع يستهدف تعميم الخبرة التنموية على بقية الفيوم.
وتتجاوز الرؤية المستقبلية الخدمات الأساسية إلى بناء قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على توليد فرص العمل والاستثمار، وفي هذا السياق يبرز المجمع الصناعي بمدينة الفيوم الجديدة، الذي يضم 692 وحدة صناعية بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار جنيه، بالتوازي مع مشروعات التنمية السياحية في قرية تونس، ومحمية وادي الريان، وجهود إعادة إحياء الثروة السمكية في بحيرة قارون. ويستهدف هذا المسار خفض نسبة الحرمان متعدد الأبعاد من 26.4% إلى 14.2% بحلول عام 2030، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وهكذا تبدو الصورة الأوسع: 0.702 لمؤشر التنمية البشرية، و17 ترتيبًا على مستوى الجمهورية، و26.4% معدل فقر مقارنة بـ32.5% في 2015، وانخفاض قدره 6.1 نقطة مئوية، ونحو 1300 مشروع في المرحلة الأولى، وأكثر من 1077 مشروعًا منجزًا، واستثمارات تتجاوز 20.3 مليار جنيه، و3.1 مليار جنيه لتمويل 133.9 ألف مشروع، وأكثر من 184.9 ألف فرصة عمل، ومجمع صناعي يضم 692 وحدة باستثمارات 1.2 مليار جنيه، ومحطة مياه تصل طاقتها إلى 600 ألف متر مكعب يوميًا، فضلًا عن معدلات رضا بلغت 94.7% في الاستطلاع الميداني المشار إليه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم