تصاعد حدة الخلافات بين عناصر الإخوان بالخارج للسيطرة على أموال الجماعة

لم يعد المشهد الداخلي لدوائر جماعة الإخوان المسلمين وشبكاتها الإعلامية في ساحات المهجر يدور في فلك التباينات السياسية أو الخلافات الفكرية التي ميّزت سنوات اللجوء الأولى، بل تحول بصورة لافتة نحو صراعات محتدمة حول النفوذ، وإدارة الموارد المالية المتبقية، وتأمين متطلبات الإقامة والمعيشة.

وتبرز تركيا، التي احتضنت الكتلة الأكبر من تلك العناصر، كمسرح رئيسي لتراكم التصدعات التنظيمية التي تجاوزت الانقسام الهيكلي بين القيادات، لتصل إلى تراشق علني واتهامات ذات طابع جنائي ومالي تُبث تفاصيلها عبر الفضاء الرقمي.

انطلقت أحدث فصول هذا التوتر من إسطنبول، إثر تداول مقاطع مصورة ومنشورات عبر منصات التواصل الاجتماعي لعنصر مقيم هناك، يوجه فيها اتهامات مباشرة لشخصيات تنشط في المجالين الفكري والإعلامي، منها الباحثان محمد إلهامي وأحمد فريد مولانا، وصانع المحتوى عبد الله الشريف، بالإضافة إلى محمود سالم مليمان بصفته رئيس مجلس إدارة جمعية الجالية المصرية في تركيا.

وتضمنت تلك المقاطع اتهامات صريحة لبعض قيادات الجماعة بالخارج، تتضمن الاستعانة بمجموعات إجرامية محلية لرصد تحركات الأعضاء المنشقين عن الجماعة، والمعارضين لقياداتها من الداخل، واستخدام تلك العناصر الإجرامية في مراقبة ورصد تحركات المعارضين وترويع الأسر ومحاولة اقتحام مساكنهم.

ورغم أن هذه الوقائع مازالت في إطار الاتهامات الفردية المنشورة ذاتياً دون الاستناد إلى أحكام قضائية أو تحقيقات رسمية معلنة تثبتها، فإن ظهورها بهذا الشكل يعكس حجم الاحتقان وغياب أي سلطة تحكيمية قادرة على ضبط الخلافات داخل تلك الأوساط.

هذه السجالات المتفرقة لا تنفصل عن السياق الأوسع للأزمة الهيكلية التي تعيشها الجماعة منذ سنوات؛ إذ شهدت المنظومة انقساماً رسمياً حاداً وموثقاً بين جبهتي “إسطنبول” بقيادة محمود حسين و”لندن” بقيادة إبراهيم منير ثم صلاح عبد الحق، وهو نزاع امتد ليشمل السيطرة على المنصات الإعلامية، وميزانيات المكاتب الإدارية، وقنوات الدعم المالي.

وتزامن هذا الشقاق القيادي مع موجة احتجاجات وتذمر واسعة في صفوف القواعد الشبابية في الخارج، الذين وجدوا أنفسهم يواجهون تعقيدات قانونية متزايدة في تجديد الإقامات وتراجعاً حاداً في المعونات المادية، وسط اتهامات متكررة للقيادات بالتمييز في الدعم المالي، وتفضيل المقربين، واستخدام المخصصات المعيشية كأداة للضغط وفرض الامتثال التنظيمي.

تأتي هذه الانشقاقات الواسعة في ظل التغيرات السياسات والدبلوماسية على مستوى الشرق الأسوسط، وهو ما فرض قيوداً صارمة على التحرك الإعلامي والسياسي للجماعة الإرهابية، ودفع بالعديد من القنوات والمنصات المعارضة نحو الإغلاق أو تقليص النفقات وإعادة الهيكلة، وهو ما فجّر بدوره خلافات علنية بين إدارات تلك المؤسسات والعاملين فيها حول المستحقات المالية والسياسات التحريرية.

ومع تراجع مصادر التمويل وانسداد الأفق السياسي، تحولت الطاقة الحركية من مخاطبة الشأن العام إلى صراعات استنزاف داخلية دفاعاً عن البقاء وتأمين الموارد الفردية.

وتكشف مجمل هذه الوقائع أن شبكات المهجر تفقد تدريجياً قدرتها على الحفاظ على التماسك التنظيمي أو العمل ككتلة منضبطة هرمياً، إذ باتت تتشكل في جزر معزولة ومراكز قوى متنافسة تفتقر إلى الثقة المتبادلة.

وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية وتآكل الشرعية التنظيمية للقيادات التقليدية، يبدو أن ظاهرة نقل الخلافات وتصفية الحسابات عبر المنصات العامة ستظل مرشحة للتصاعد، كشاهد على مرحلة جديدة عنوانها التفكك الذاتي وصراع النفوذ الداخلي.

اترك رد