من حق المريض أن يعرف ما يُجرى له، وما يُستخدم على جسده، ومن الذي يجري له الإجراء. لكن ماذا يحدث عندما يتحول السؤال عن هذه الحقوق إلى أمر غير مرغوب فيه؟
في إحدى العيادات الخاصة بمدينة الشيخ زايد، خضعت لجلسة قيل لي إن سعرها منفردة 1600 جنيه، ثم عُرض عليّ الاشتراك في ثلاث جلسات مقابل 4200 جنيه، فوافقت واشتركت في العرض.
بعد عودتي إلى المنزل، راجعت تفاصيل الجلسة، ولاحظت أن معلوماتي عن الطبيبة التي أجرت الإجراء كانت محدودة، فلم يكن لدي سوى اسمها. لذلك تواصلت مع العيادة وطلبت معرفة اسم المنتج الذي استُخدم معي والحصول على صورة له.
سؤال بسيط، يتعلق بشيء وُضع على جسدي، وليس بطلب وصفة تصنيع أو تركيبة سرية أو أي معلومة تمس سرًا تجاريًا.
لكن بدلًا من الحصول على إجابة واضحة، بدأت المماطلة، واستغرق الأمر أيامًا من التواصل والانتظار.
من عالجني؟ وما الذي استُخدم معي؟
عندما راجعت الروشتة الطبية التي بحوزتي، وجدت أن البيانات الظاهرة في النسخة التي أملكها تقتصر على اسم الطبيب، دون تشخيص واضح ظاهر في المستند، أو بيانات تعريفية أخرى كنت أتوقع وجودها في وثيقة توثق الإجراء الطبي.
لا أطرح ذلك باعتباره دليلًا قاطعًا على وجود مخالفة، فقد تكون هناك مستندات أو سجلات أخرى لدى المنشأة لم أحصل عليها.
لكن السؤال يظل مشروعًا:
من الذي عالجني تحديدًا؟ وما صفته المهنية؟ وما الذي استُخدم معي؟ وأين هو توثيق ذلك؟
فالطبيب الذي لا تتضح صفته في المستند المتاح للمريض، والتشخيص الذي لا يظهر فيه، والمنتج الذي لا يعرف المريض اسمه، كلها أمور تصنع مساحة من الغموض.
والغموض في المجال الطبي ليس مجرد مشكلة إدارية. فعند حدوث مضاعفات، أو الحاجة إلى متابعة العلاج لدى طبيب آخر، تصبح معرفة ما تم استخدامه ومن قام بالإجراء جزءًا مهمًا من سلامة المريض.
«دي Rules المكان».. هل القواعد الداخلية فوق حقوق المريض؟
عندما طلبت اسم المنتج أو صورته، رفضت العيادة في البداية إرسال البيانات المطلوبة.
وبعد أن طلبت إنهاء التعامل واسترداد قيمة الجلسات التي لم تُنفذ، وجدت نفسي أمام أربعة أيام من الانتظار والاتصالات وتعدد المسؤولين عن الرد.
ثم جاءني، بحسب ما دار بيننا، رد من مديرة الفرع:
«المبلغ لن يُرد، وهذه Rules المكان».
وهنا يطرح الموقف سؤالًا بسيطًا:
منذ متى تصبح القواعد الداخلية للعيادة أقوى من حقوق المريض أو المستهلك؟
من حق أي منشأة أن تضع قواعد لتنظيم العمل، لكن وصفها بأنها «Rules» لا يحولها تلقائيًا إلى قاعدة قانونية تعلو على حقوق المرضى.
والأهم أن الخلاف لم يكن على موعد جلسة أو تفاصيل تنظيمية. كنت أسأل عن مادة استُخدمت على جسدي.
هل أصبح على المريض أن يكون محققًا بالذكاء الاصطناعي؟
بعد الإصرار، أرسلت لي العيادة أخيرًا صورة لمنتج عبر واتساب.
كان من الممكن أن تنتهي القصة عند هذه النقطة، لكنني قررت أن أتحقق من الصورة بنفسي.
استخدمت أدوات البحث البصري والذكاء الاصطناعي كوسيلة تحقق أولي، لا باعتبارها جهة تحقيق أو حكمًا نهائيًا.
وأثناء البحث، ظهرت نتائج تربط الصورة، بحسب ما توصلت إليه، بطبيبة أخرى وعيادة مختلفة تمامًا.
وهنا تغير السؤال:
هل الصورة التي أرسلتها العيادة إليّ هي فعلًا صورة المنتج الذي استُخدم معي؟
أؤكد هنا على نقطة مهمة: لا أقول إن الذكاء الاصطناعي أثبت أن العيادة ارتكبت تضليلًا، ولا أتعامل مع نتائج البحث البصري باعتبارها حكمًا قضائيًا.
لكن عندما تكشف أداة تحقق عن تعارض محتمل في مصدر صورة قُدمت للمريض باعتبارها صورة منتج طبي، فإن هذا التعارض يستحق التحقيق، لا التجاهل.
لذلك وثقت عملية البحث بتسجيل شاشة، واحتفظت بالمراسلات والصورة والتسلسل الزمني للواقعة.
لم أصدر حكمًا على أحد.
طلبت فقط أن تتحقق جهة مختصة.
إذا كانت الصورة تخص المنتج الذي استُخدم معي فعلًا، فليظهر مصدرها.
وإذا كانت تخص منتجًا أو جهة أخرى، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحًا:
كيف وصلت إلى العيادة؟ ومن أرسلها؟ وما المنتج الذي استُخدم بالفعل؟
ماذا عن المريض الذي لا يستطيع التحقق؟
ربما تكون هذه الواقعة قابلة للحل بالنسبة لي لأنني استطعت استخدام أدوات البحث البصري وتوثيق ما ظهر أمامي.
لكن ماذا عن مريض لا يعرف هذه الأدوات؟
ماذا عن شخص لا يملك الوقت أو القدرة على البحث؟
وماذا عن مريض لا يعرف أصلًا أن من حقه أن يسأل عن اسم المنتج الذي استُخدم معه؟
وماذا لو ظهرت لديه مضاعفات بعد أيام، واحتاج طبيب آخر إلى معرفة المادة التي استُخدمت أثناء الإجراء؟
هل أصبح حق الإنسان في معرفة ما استُخدم على جسده مرتبطًا بقدرته على أن يكون محققًا؟
الطبيب هو صاحب الخبرة الطبية، لكن المريض هو صاحب الجسد، ومن حقه أن يحصل على المعلومات الأساسية التي تمكنه من فهم الإجراء الذي خضع له.
ليس مطلوبًا من المريض أن يكون طبيبًا حتى يسأل عن اسم المنتج، ولا صيدليًا حتى يطلب بياناته، ولا صحفيًا استقصائيًا حتى يتحقق من صورة أرسلتها إليه عيادته.
عندما تغيرت النبرة
اللافت أن نبرة التعامل تغيرت، بحسب ما عايشته، بعد أن أرسلت للعيادة تسجيل الشاشة الذي يوثق عملية التحقق.
بعد الرفض القاطع، بدأت وعود برد الأموال.
وفي إحدى المكالمات طُرح احتمال أنني ربما التقطت صورة المنتج بنفسي أثناء الكشف، وهو ما نفيته بوضوح.
والسؤال هنا بسيط:
إذا كنت قد صورت المنتج بنفسي، فلماذا كنت أطلب من العيادة أن ترسل لي صورته؟
تعددت الاتصالات والوعود بأن «المبلغ هيتبعت وتنتهي المشكلة».
ثم جاءت مكالمة أخرى قرابة العاشرة مساءً من مديرة الفرع، أو إحدى المسؤولات عن إدارة الفروع، وانتهت بعرض خصم يصل إلى 25% إذا عدت إلى الفرع، إلى جانب طلب حذف ما نشرته على فيسبوك وكتابة منشور تصالحي.
رفضت حذف ما نشرته.
لم أكن أبحث عن خصم أو صفقة شخصية.
كنت أبحث عن إجابة.
وافقت فقط على إنهاء الأمر بهدوء ورد المبلغ في الصباح.
لكن الصباح جاء، ولم يحدث شيء.
من قال إن الجسد سرّ العيادة؟
القضية هنا لا تتعلق فقط بمبلغ مالي أو جلسة لم تُنفذ.
إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين المريض والمنشأة الطبية:
هل يملك المريض حق معرفة ما استُخدم على جسده؟ ومن عالجه؟ وما الذي تم توثيقه بشأن الإجراء؟
إذا كانت العيادة واثقة من موقفها، فالأمر لا يحتاج إلى مفاوضات طويلة.
اسم المنتج، مصدره، بياناته، فاتورة شرائه، سجلات استخدامه داخل العيادة، والملف الطبي، كلها وثائق يمكن أن تساعد في حسم الجدل.
أما أن يتحول طلب هذه المعلومات إلى أيام من المماطلة، ثم إلى وعود برد الأموال، وعروض خصم، وطلب حذف ما نُشر، فهذا لا يغلق الأسئلة، بل يفتح المزيد منها.
الثقة في الطب لا تُطلب من المريض، بل تُبنى أمامه.
والشفافية ليست مجاملة تقدمها المنشأة عندما تريد، بل عنصر أساسي في علاقة يفترض أن يكون المريض فيها الطرف الذي يحصل على الرعاية والحماية، لا الطرف الذي يبحث عن المعلومات بنفسه.
ماذا أطلب من وزير الصحة والجهات المختصة؟
لا أطلب إدانة مسبقة، ولا عقوبة انتقامية.
أطلب فتح تحقيق رسمي ومستقل في الواقعة، وفحص ملفي الطبي كاملًا، والتحقق من:
1. هوية الطبيب الذي أجرى الإجراء وصفته المهنية.
2. مدى كفاية البيانات والتوثيق الطبي المتاح للمريض.
3. هوية المنتج الذي استُخدم معي بالفعل.
4. مصدر المنتج وبياناته وفاتورة شرائه.
5. سجلات استخدام المنتج داخل العيادة.
6. مقارنة تلك البيانات بالصورة التي أُرسلت إليّ عبر واتساب.
7. التحقق مما إذا كانت الصورة تخص المنتج المستخدم معي بالفعل، وكيف وصلت إلى العيادة إذا ثبت ارتباطها بمنتج أو جهة أخرى.
8. مدى التزام المنشأة بإتاحة المعلومات الطبية اللازمة للمريض لفهم الإجراء الذي خضع له.
9. الأساس الذي استندت إليه العيادة في رفض رد قيمة الجلسات غير المنفذة: هل هو التزام قانوني أم مجرد قاعدة داخلية؟
لا أطلب إدانة أحد قبل أن يقول التحقيق كلمته.
أطلب فقط أن تُفتح الأوراق.
أن نعرف المنتج، ومصدره، وسجله، والطبيب الذي أجرى الإجراء وصفته، وأن نعرف كيف وصلت صورة مرتبطة بعيادة أخرى إلى مريض باعتبارها صورة المنتج المستخدم معه، إذا ثبت ذلك بالتحقيق.
فالمال يمكن رده.
والمنشور يمكن حذفه.
والاعتذار يمكن كتابته.
لكن الثقة لا تُستعاد إلا بالحقيقة.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد هذه الواقعة كلها:
هل أصبح على المريض أن يدفع ثمن العلاج، ثم يدفع من وقته وكرامته وجهده حتى يعرف ماذا تلقى؟
أنا لم أطلب امتيازًا.
طلبت أن أعرف.
وفي الطب، يجب ألا يكون السؤال جريمة، ولا المعرفة رفاهية، ولا ينبغي أن يحتاج المريض إلى أن يصبح محققًا كي يعرف ما الذي استُخدم على جسده.

موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم