شراكات جديدة لتحويل أولويات المياه في إفريقيا إلى مشروعات واستثمارات

بين احتياجات مائية تعرفها الدول الإفريقية جيدًا، ومشروعات تحتاج إلى التمويل والتكنولوجيا حتى تصبح واقعًا، تظل هناك فجوة لا تقل أهمية عن فجوة التمويل نفسها: كيف تتحول الأولويات إلى مشروعات مكتملة الإعداد تستطيع جذب المستثمرين ومؤسسات التنمية؟

من هذه النقطة تحديدًا يتحرك مرفق المياه الإفريقي، برئاسة مصر لمجلسه الحاكم، لفتح مسار جديد من الشراكات مع ألمانيا، لا يقتصر على البحث عن التمويل، وإنما يسعى إلى بناء حلقة متكاملة تبدأ بإعداد المشروع، وتمر بالتمويل والخبرة والتكنولوجيا، وتنتهي بالتنفيذ على الأرض.

وجاءت زيارة الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري ورئيس المجلس الحاكم لمرفق المياه الأفريقي، إلى ألمانيا لتكشف ملامح هذا التوجه، من خلال تحرك على مسارين متوازيين؛ الأول مع الحكومة ومؤسسات التنمية والتمويل الألمانية، والثاني مع مجتمع الأعمال والشركات والمؤسسات البحثية والتكنولوجية العاملة في قطاع المياه.

فجوة ما قبل التمويل

وتكشف المباحثات المصرية الألمانية عن تحول مهم في طريقة التعامل مع ملف تمويل مشروعات المياه في إفريقيا. فالقضية لا تبدأ عند البحث عن الأموال، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما تكون الدولة أمام أولوية مائية تحتاج إلى دراسات وتصميمات وتقييمات تجعلها مشروعًا قادرًا على الوصول إلى مؤسسات التمويل والمستثمرين.

وهنا يأتي الدور الذي يقوم به مرفق المياه الأفريقي باعتباره آلية قارية تقودها أفريقيا لمساعدة الدول على نقل مشروعاتها من مرحلة الاحتياج والفكرة إلى مرحلة الجاهزية للاستثمار.

ويعمل المرفق على تمويل وإعداد دراسات الجدوى والتصميمات الفنية والتقييمات البيئية والمالية وغيرها من الدراسات التحضيرية، وهي المرحلة التي تحدد إلى حد كبير قدرة المشروع على اجتذاب التمويل والانتقال إلى التنفيذ.

وتتجه استراتيجية المرفق للفترة من 2026 إلى 2030 إلى تعزيز هذا الدور، وتحويله إلى منصة أوسع لإعداد المشروعات وحشد الاستثمارات، بما يتسق مع رؤية وسياسة أفريقيا للمياه 2063، ويربط أولويات المياه والصرف الصحي والتكيف مع تغير المناخ والأمن الغذائي والطاقة بمشروعات قابلة للتنفيذ.

شريك ألماني طويل الأجل

المسار الأول لهذا التحرك ظهر خلال لقاء سويلم مع ريم العبالي رادوفان، الوزيرة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، بحضور السفير محمد البدري، سفير مصر لدى ألمانيا، ومسئولين من مرفق المياه الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية.

وتركزت المباحثات على بناء شراكة استراتيجية طويلة الأجل بين المرفق وألمانيا، تستفيد من الثقل الألماني في مجال التعاون التنموي، ومن إمكانات مؤسساتها، وفي مقدمتها بنك التنمية الألماني «KfW» والوكالة الألمانية للتعاون الدولي «GIZ».

وتستند فرص هذه الشراكة إلى مساحة من التوافق بين استراتيجية المرفق الجديدة والتوجه الألماني نحو دعم أفريقيا وقضايا الأمن المائي والتنمية المستدامة، إلى جانب الاهتمام بحشد الاستثمار وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.

والرهان هنا لا يقوم على إضافة ممول جديد إلى قائمة شركاء المرفق بقدر ما يستهدف بناء علاقة مؤسسية أكثر استدامة، تجمع قدرة المرفق على الوصول إلى احتياجات الدول الأفريقية وإعداد مشروعاتها، مع ما تمتلكه المؤسسات الألمانية من أدوات تمويل وخبرة فنية وتكنولوجيا.

وأبدت الوزيرة الألمانية تطلع بلادها إلى مواصلة التعاون مع مرفق المياه الأفريقي والاستفادة من خبرات مؤسسات التنمية والتكنولوجيات الألمانية في دعم قطاع المياه بالقارة، فيما اتفق الجانبان على استكمال المناقشات الفنية لتحديد المجالات والآليات التي يمكن أن تتحول من خلالها هذه الرؤية إلى برامج تعاون.

350 شركة ومؤسسة تبحث عن الطريق إلى أفريقيا

لكن التمويل وحده لا يكمل المعادلة، وهو ما يفسر المسار الثاني في الزيارة المصرية، الذي انتقل بالمباحثات من المؤسسات الحكومية والتنموية إلى الشركات ومراكز الخبرة والتكنولوجيا.

وخلال لقاء سويلم مع كريستيان شيبرز، رئيس القطاع الإقليمي لأفريقيا بالاتحاد الألماني للمياه، جرى بحث بناء شراكة عملية تربط المشروعات التي يعدها مرفق المياه الأفريقي مباشرة بالخبرات الألمانية القادرة على المساهمة في تنفيذها.

وتزداد أهمية هذا المسار مع وجود أكثر من 350 شركة وجمعية ومؤسسة بحثية وجهة متخصصة تحت مظلة الاتحاد الألماني للمياه، تعمل في مجالات مختلفة من القطاع، بما يتيح قاعدة واسعة من الخبرات والحلول التي يمكن ربطها باحتياجات الدول الأفريقية.

وتشمل المجالات المطروحة للتعاون مياه الشرب والصرف الصحي والمعالجة ورفع كفاءة المرافق والتحول الرقمي وكفاءة الطاقة وبناء القدرات، وهي قطاعات تمثل جزءًا أساسيًا من احتياجات تطوير البنية المائية في عدد كبير من الدول الأفريقية.

وتبحث الشراكة المقترحة تنظيم لقاءات تجمع مرفق المياه الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية بالشركات الأعضاء في الاتحاد، بحيث يعرض الجانب الأفريقي محفظة المشروعات والفرص الجاهزة، في مقابل التعرف على الحلول والقدرات الفنية والتكنولوجية التي تستطيع الشركات الألمانية تقديمها.

وبهذه الآلية يمكن تقليص المسافة بين المشروع الذي انتهت دراساته وينتظر التنفيذ، وبين الشركة أو المؤسسة التي تمتلك التكنولوجيا والخبرة المناسبة له.

القطاع الخاص يدخل المعادلة

ويضع التحرك الجديد القطاع الخاص في موقع أكثر تقدمًا داخل معادلة الأمن المائي الأفريقي. فمع ضخامة الاحتياجات الاستثمارية للقارة، يصعب أن تتحمل الحكومات ومؤسسات التنمية وحدها تكلفة تطوير البنية الأساسية والخدمات المائية.

ومن هنا تأتي محاولة الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل التنموي إلى نموذج أوسع يستطيع تعبئة رأس المال والخبرة والتكنولوجيا من القطاع الخاص، مع إعداد المشروعات بالصورة التي تقلل مخاطر الاستثمار وتجعلها أكثر قدرة على جذب التمويل.

كما يمتد التعاون إلى بناء قدرات المؤسسات والمرافق الأفريقية ونقل المعرفة وتحسين كفاءة التشغيل والاستدامة الفنية والمالية، بما يعني أن الشراكة المطروحة لا تتوقف عند إنشاء المشروع، وإنما تمتد إلى قدرته على العمل والاستمرار بكفاءة.

القاهرة تجمع أطراف المعادلة

ولا يتوقف مسار بناء هذه الشراكة عند برلين. فقد وجه سويلم الدعوة إلى الاتحاد الألماني للمياه للمشاركة في أسبوع القاهرة للمياه والجلسة التي ينظمها مرفق المياه الأفريقي ضمن فعالياته.

وتكتسب هذه المشاركة أهمية في ضوء السعي إلى تحويل أسبوع القاهرة إلى مساحة تلتقي فيها أولويات الدول الأفريقية مع شركاء التنمية والمؤسسات التمويلية والقطاع الخاص ومقدمي التكنولوجيا، وعرض المشروعات التي تحتاج إلى شراكات لتنفيذها.

وبذلك يمكن أن تمثل القاهرة محطة تالية لاستكمال ما بدأ في ألمانيا؛ فمن جانب توجد الدول التي تعرف احتياجاتها، ومن جانب آخر مرفق يعمل على تحويل هذه الاحتياجات إلى مشروعات جاهزة، ومؤسسات تمويل وتنمية تستطيع توفير الموارد، وشركات تمتلك التكنولوجيا والخبرة اللازمة للتنفيذ.

من قائمة الاحتياجات إلى محفظة مشروعات

وربما تكمن القيمة الأهم للتحرك المصري في أنه يعيد طرح قضية الأمن المائي الأفريقي من زاوية عملية. فالقارة لا تحتاج فقط إلى تحديد ما ينقصها من مشروعات، وإنما إلى بناء المسار الذي ينقل تلك المشروعات من الأوراق إلى الأرض.

وهنا تصبح عملية إعداد المشروع نفسها جزءًا من معادلة التنمية؛ فكل دراسة جدوى مكتملة، وتصميم فني جيد، وتقييم مالي وبيئي دقيق، يمكن أن يرفع قدرة المشروع على اجتذاب الاستثمار ويقربه خطوة من التنفيذ.

وإذا نجح المسار الجاري في الجمع بين مرفق المياه الأفريقي والحكومة الألمانية ومؤسساتها التنموية والقطاع الخاص تحت مظلة تعاون واحدة، فإن الشراكة لن تقتصر على توفير التمويل، بل يمكن أن تؤسس نموذجًا يربط ثلاثة أطراف كانت المسافة بينها تمثل إحدى عقبات التنفيذ: المشروع الأفريقي الجاهز، والتمويل المتاح، والتكنولوجيا القادرة على تحويله إلى واقع.

ومن هذا المنظور، تتحرك الرئاسة المصرية للمجلس الحاكم لمرفق المياه الأفريقي نحو توسيع وظيفة المرفق من إعداد المشروعات إلى بناء الجسور حولها؛ بين الدولة والممول، وبين المشروع والمستثمر، وبين الاحتياج والتكنولوجيا.

إنها معادلة تبدو واضحة في عناصرها، لكنها حاسمة في نتائجها: أن تتحول أولويات الأمن المائي في أفريقيا من قائمة طويلة من الاحتياجات إلى محفظة مشروعات قادرة على جذب الاستثمار والتنفيذ وصناعة أثر تنموي ملموس.

اترك رد