من القاهرة إلى برلين.. مصر تدفع بشراكة دولية لتمويل مستقبل المياه في إفريقيا

لم تعد قضية المياه في أفريقيا مرتبطة فقط بتوافر الموارد، بقدر ما أصبحت مرتبطة بالقدرة على تحويل الاحتياجات المتزايدة لدول القارة إلى مشروعات جاهزة للتنفيذ وقادرة على جذب التمويل والاستثمار والتكنولوجيا، ومن هذه الزاوية تتحرك مصر، خلال رئاستها للمجلس الحاكم لمرفق المياه الأفريقي، لتوسيع دائرة الشراكات الدولية وربط الأولويات المائية للقارة بمؤسسات التمويل والخبرة العالمية.

وفي هذا السياق، وصل الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري ، رئيس المجلس الحاكم لمرفق المياه الأفريقي، إلى ألمانيا في زيارة تستهدف فتح مسارات جديدة للتعاون مع المؤسسات الألمانية، وحشد التمويلات والخبرات والتكنولوجيات لدعم المشروعات ذات الأولوية في الدول الأفريقية.

وتكتسب الزيارة أهميتها من الدور الذي يقوم به مرفق المياه الأفريقي باعتباره إحدى الآليات القارية المعنية بإعداد المشروعات المائية وتأهيلها للوصول إلى مراحل تسمح بجذب التمويل اللازم لتنفيذها. ومنذ إنشائه، اعتمد المرفق 152 مشروعًا شملت الدول الأفريقية الـ54، وأسهمت تدخلاته في حشد تمويلات لاحقة تجاوزت 1.9 مليار يورو لتنفيذ المشروعات.

ويتحرك المرفق حاليًا وفق استراتيجية جديدة للفترة من 2026 إلى 2030، تركز على توسيع قدرته على إعداد المشروعات القابلة للتمويل، وتحفيز الاستثمارات وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، بما يتسق مع رؤية وسياسة أفريقيا للمياه 2063، ويضع ملف المياه في قلب خطط التنمية بالقارة.

ومن هنا تبرز ألمانيا باعتبارها إحدى الوجهات المهمة لبناء شراكة تجمع بين الاحتياجات الأفريقية من ناحية، والتمويل والخبرة والتكنولوجيا من ناحية أخرى. ومن المقرر أن يبحث سويلم مع ريم العبالي رضوان، الوزيرة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، تأسيس شراكة استراتيجية طويلة الأجل بين الوزارة الألمانية ومرفق المياه الأفريقي، بما يدعم تنفيذ استراتيجية المرفق خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتتضمن المباحثات إمكانية الوصول إلى مساهمة ألمانية متعددة السنوات لدعم موارد المرفق، بما يسمح بتوسيع قدرته على إعداد عدد أكبر من المشروعات المؤهلة للحصول على التمويل، فضلًا عن تعزيز التعاون مع مؤسسات التمويل والتنمية الألمانية والقطاع الخاص.

وتتجاوز الرؤية المطروحة مفهوم الحصول على التمويل إلى بناء حلقة متكاملة تربط المشروع الأفريقي منذ مرحلة الإعداد بالمؤسسات القادرة على تمويله، والشركات التي تمتلك التكنولوجيا والخبرة اللازمة لتنفيذه. ولذلك تبحث الزيارة ربط المشروعات التي يعدها المرفق بالمؤسسات والشركات ومراكز البحث والتكنولوجيا الألمانية، بما يفتح المجال أمام شراكات في قطاعات المياه والصرف الصحي والبنية الأساسية والابتكار.

ويمثل اللقاء المرتقب مع الشراكة الألمانية للمياه مسارًا آخر لهذا التوجه، من خلال بحث إنشاء آلية تعاون منظمة تتيح تعريف القطاع الخاص والمؤسسات البحثية والتكنولوجية الألمانية بمحفظة المشروعات التي يعمل المرفق على إعدادها في الدول الأفريقية، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع في تطوير الحلول وتنفيذ المشروعات.

وتحمل مصر إلى هذه الشراكات كذلك خبرتها في تحديث إدارة الموارد المائية، حيث تتضمن الزيارة استعراض تجربة «الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0»، وما تشمله من الإدارة الذكية للمياه والتحول الرقمي وإدارة الأصول وإعادة استخدام المياه وتحديث البنية الأساسية ورفع كفاءة التشغيل والصيانة.

ويفتح عرض هذه التجربة الباب أمام صيغة أوسع للتعاون لا تقوم فقط على نقل التمويل إلى أفريقيا، وإنما تجمع بين الخبرة المصرية والتكنولوجيا الألمانية واحتياجات الدول الأفريقية، بما يسمح بتطوير حلول أكثر ارتباطًا بظروف القارة، إلى جانب بناء القدرات ونقل المعرفة والتكنولوجيا.

وتأتي التحركات المصرية في وقت يعمل فيه مرفق المياه الأفريقي على تعزيز دوره في سد الفجوة بين احتياجات الدول للمشروعات وبين قدرتها على إعداد تلك المشروعات بالصورة التي تسمح للمؤسسات المالية بالدخول في تمويلها، وهي إحدى القضايا الأساسية في مسار تحويل خطط الأمن المائي إلى استثمارات فعلية على الأرض.

وتسعى الرئاسة المصرية للمجلس الحاكم للمرفق، من خلال توسيع شبكة الشراكات الدولية، إلى زيادة قدرة هذه الآلية القارية على جذب الموارد والخبرات، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتحويل قائمة الأولويات المائية في الدول الأفريقية إلى محفظة من المشروعات القابلة للتمويل والتنفيذ.

ويرافق وزير الموارد المائية والري خلال زيارته وفد من مرفق المياه الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية، يضم مدير إدارة تطوير المياه والصرف الصحي بالبنك وعددًا من مسئولي وخبراء المرفق، في زيارة تضع ملف التمويل والتكنولوجيا والشراكات في صدارة التحرك من أجل الأمن المائي الأفريقي.

وبين احتياجات القارة المتنامية وقدرات المؤسسات الدولية على التمويل والتكنولوجيا، تراهن التحركات الحالية على بناء الجسر الذي طالما احتاجته مشروعات المياه الأفريقية: الانتقال من تحديد الأولويات إلى إعداد مشروعات قابلة للاستثمار، ومن خطط التنمية إلى مشروعات تتحول إلى واقع على الأرض.

اترك رد