تقرير: سمر صفي الدين
تجمع القاهرة وبكين اليوم مصالح سياسية واقتصادية وتكنولوجية وأمنية، بينما يعيد التنافس بين القوى الكبرى رسم خريطة النفوذ والممرات والأسواق والموارد.
وتمنح هذه التحولات مصر أهمية خاصة بالنسبة إلى الصين، في ظل موقعها الجغرافي وقناة السويس وثقلها السياسي عربيًا وإفريقيًا، بينما تبحث القاهرة عن تنويع شراكاتها الدولية.
وكانت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج للقاهرة، يومي الأول والثاني من سبتمبر، لتعزيز العلاقات الثنائية ومتابعة تنفيذ الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة عام 2014، إلى جانب بحث القضايا الإقليمية والدولية.
في ضوء ما سبق، يضع السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، هذه الزيارة في سياق أوسع يتعلق بتحولات النظام الدولي وتنافس القوى الكبرى.
وفي تصريحات خاصة لـ”اليوم” يرى السفير حليمة أن أهمية مصر ترتبط كذلك بموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وما يرتبط به من ممرات بحرية وموانئ ومراكز لوجستية ذات أهمية اقتصادية وأمنية وعسكرية.
سبعة عقود من الثقة
بدأت العلاقات المصرية الصينية رسميًا عام 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
وتطورت العلاقات على مدار سبعة عقود من التعاون السياسي والثقافي إلى الاقتصاد والتجارة والتعليم والصحة والعلوم والتكنولوجيا، قبل أن تدخل مرحلة أكثر عمقًا.
ثم ارتقت العلاقات عام 2014 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتزامن مع توسع الحضور الصيني في مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وفي حديثه لـ”اليوم”، يستحضر السفير حليمة البعد التاريخي باعتباره أحد أهم عناصر الثقة بين البلدين، خصوصًا مع مواقف متبادلة تعود إلى مراحل مبكرة من العلاقات، قائلاً: “وقفت الصين إلى جانب مصر خلال العدوان الثلاثي، كما ساندت القاهرة في تأمين قناة السويس”.
ويشير السفير حليمة كذلك إلى أن مصر ساندت الصين في استعادة مقعدها الشرعي داخل الأمم المتحدة، بما يعكس تاريخًا من الدعم المتبادل بين البلدين.
وتمنح هذه الذاكرة التاريخية العلاقات المصرية الصينية أساسًا سياسيًا يتجاوز حجم التجارة والاستثمارات، ويعزز القدرة على تطوير الشراكة رغم تغير موازين القوى.

لماذا مصر؟
تجمع مصر بالنسبة إلى الصين بين الموقع الجغرافي والوزن السياسي والاقتصادي والحضور العربي والإفريقي، وهي عناصر تمنح القاهرة قيمة استراتيجية متزايدة.
وتمنح قناة السويس الصين أهمية خاصة لمصر، لأنها ترتبط بحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد بين الشرق والغرب، وتوفر منصة للمشروعات الصناعية واللوجستية.
كما يضيف حضور القاهرة في أطر متعددة الأطراف مساحة أخرى للتعاون، خصوصًا عبر المنتدى العربي الصيني والمنتدى الإفريقي الصيني ومجموعة بريكس ومبادرة الحزام والطريق.
ويرى السفير حليمة أن اضطلاع مصر بدور محوري في العلاقات متعددة الأطراف مع الصين يمثل أحد عناصر قوة الشراكة بين البلدين.
وتتيح القاهرة لبكين مساحة للتواصل مع العالم العربي وإفريقيا، بينما تتيح الصين لمصر فرصًا أوسع لتنويع الاستثمارات والشركاء والأسواق.
وتتحول مصر بهذه المعادلة من مجرد سوق للاستثمارات الصينية إلى قاعدة إنتاج يمكنها خدمة أسواق عربية وإفريقية ودولية، وهو ما يتوافق مع أهداف القاهرة الاقتصادية.
من السياسة إلى الاقتصاد
تظهر المنطقة الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية في منطقة قناة السويس باعتبارها أحد أبرز نماذج التحول في طبيعة التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وتضم المنطقة نحو 200 شركة، وتوفر قرابة 10 آلاف فرصة عمل، فيما تجاوزت الاستثمارات التراكمية بها 4.7 مليار دولار، وفق شبكة تلفزيون الصين الدولية “CGTN”.
وتعمل الشركات الموجودة في قطاعات تشمل مواد البناء ومعدات البترول والمعدات والآلات الكهربائية، بما يعكس تنوع القاعدة الصناعية الصينية في مصر.
كما تمنح هذه المنطقة المستثمرين الصينيين موقعًا لوجستيًا مهمًا، بينما تتيح لمصر فرصة ربط الإنتاج المحلي بالأسواق الإقليمية والدولية.
وتتحول العلاقة بذلك تدريجيًا من الاستثمار داخل السوق المصرية إلى الإنتاج في مصر من أجل التصدير، وهو أحد أهم الاختبارات أمام المرحلة المقبلة.
وتحتاج القاهرة إلى ربط الاستثمارات الجديدة بتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات، حتى يتحول الاستثمار الأجنبي إلى قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد المصري.

الذكاء الاصطناعي حاضر بقوة
تدخل الشراكة المصرية الصينية مرحلة جديدة مع اتساع مجالات التعاون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والأمن السيبراني والفضاء.
ويعكس هذا التوجه تغير طبيعة المنافسة الاقتصادية عالميًا، بعدما أصبحت التكنولوجيا عنصرًا رئيسيًا في تحديد القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدول.
ويؤكد السفير حليمة أن نقل التكنولوجيا الحديثة يمثل أحد المسارات المهمة التي يمكن أن تعزز مستقبل العلاقات المصرية الصينية.
وتحتاج مصر في هذا المسار إلى تدريب الكوادر وتطوير المؤسسات التعليمية والفنية، وربط الصناعة بالبحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية.
وتوفر الصين خبرات واسعة في هذه القطاعات، بينما تملك مصر قاعدة بشرية وسوقًا وموقعًا يمكن أن يجعلها منصة إقليمية للتكنولوجيا والإنتاج.
التجارة تبحث التوازن
يمثل التبادل التجاري أحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير، خصوصًا مع استمرار الحاجة إلى زيادة الصادرات المصرية للسوق الصينية.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ومصر 95.19 مليار يوان، بما يعادل 14.16 مليار دولار، خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، وفق الهيئة العامة للاستعلامات.
وارتفعت الصادرات الصينية إلى مصر بنسبة 17.5% خلال الفترة نفسها، بينما ارتفعت الواردات الصينية من مصر بنسبة 49.4%، وفق المصدر نفسه.
وتشير هذه الأرقام إلى تحسن أداء الصادرات المصرية، لكنها تؤكد في الوقت ذاته ضرورة توسيع قاعدة المنتجات المصرية القادرة على دخول السوق الصينية.
وتبرز المنتجات الزراعية والغذائية باعتبارها مجالًا واعدًا، بعدما ارتفعت واردات الصين من المنتجات الزراعية المصرية بنسبة 82.6% خلال الأشهر السبعة الأولى، وفق البيانات الرسمية الصينية.
وتشكل المنتجات الزراعية 41.7% من إجمالي واردات الصين من مصر خلال الفترة نفسها، بما يعكس وجود طلب يمكن البناء عليه.
الزراعة بوابة الصادرات
تقدم الزراعة نموذجًا واضحًا للقطاعات التي تستطيع مصر من خلالها تعزيز حضورها داخل السوق الصينية، خصوصًا مع وجود منتجات تتمتع بقدرة تنافسية.
وتحتل مصر موقعًا متقدمًا في تصدير الفراولة المجمدة إلى الصين، كما تعد ثالث أكبر مصدر لبذور الكتان إلى السوق الصينية، وفق المجلس التصديري للصناعات الغذائية.
وتبلغ قيمة صادرات مصر من البرتقال الطازج إلى الصين نحو 26 مليون دولار خلال عام 2025.
وتحتاج زيادة الصادرات الزراعية إلى تطوير سلاسل الإنتاج والتعبئة والتخزين والنقل، بما يرفع القيمة المضافة للمنتج المصري ويعزز قدرته على المنافسة.
وتستطيع الاستثمارات الصينية دعم هذا المسار من خلال مشروعات مشتركة للتصنيع الزراعي والتعبئة والتصدير، بما يحول التجارة إلى إنتاج مشترك.
الطاقة.. تعاون مستدام
يمثل قطاع الطاقة المتجددة مسارًا آخر يمكن أن يوسع نطاق الشراكة المصرية الصينية، في ظل التحول العالمي نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وتملك مصر مقومات طبيعية وموقعًا مناسبًا لمشروعات الطاقة المتجددة، بينما تمتلك الصين قدرات صناعية وتكنولوجية واسعة في هذا المجال.
ويشير تقرير شبكة تلفزيون الصين الدولية “CGTN” إلى أن مشروع محطة فرعية للطاقة الشمسية ممولاً من الصين وفر نحو 16 ألف جيجاوات/ساعة من الكهرباء منذ اكتماله.
وتترافق مشروعات الطاقة مع تدريب مهندسين وعمال مصريين، بما يضيف إلى التعاون بُعدًا يرتبط ببناء القدرات ونقل الخبرات.
وتمنح هذه الشراكة مصر فرصة لتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، بينما تستفيد الصين من السوق والموقع والفرص الاستثمارية المتاحة.

شراكة بلا اصطفاف
لا تعني الشراكة المصرية الصينية انتقال القاهرة إلى محور دولي على حساب علاقاتها الأخرى، وإنما تعكس سياسة مصرية تقوم على تنويع الشركاء وتحقيق التوازن.
ويؤكد السفير حليمة أن السياسة المصرية الراسخة تقوم على تحقيق التوازن في العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، بما يخدم المصالح الوطنية.
وتمنح هذه السياسة القاهرة مساحة أوسع للمناورة السياسية والاستفادة من تنافس القوى الكبرى، دون الانضمام إلى محاور مغلقة.
وتتوافق هذه الرؤية مع طبيعة العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة وأوروبا والقوى الإقليمية، إذ لا تقوم الشراكة مع الصين على إلغاء الشراكات الأخرى.
فلسطين والمياه.. تقارب سياسي
تمثل القضية الفلسطينية أحد أبرز ملفات التقارب السياسي بين القاهرة وبكين، خصوصًا مع استمرار الأزمات الإقليمية وتداعياتها على الأمن والاستقرار.
ويؤكد السفير حليمة وجود توافق في الرؤى المصرية والصينية بشأن القضية الفلسطينية، مع استمرار دعم بكين لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية.
وتتقاطع المواقف المصرية والصينية كذلك بشأن أهمية دعم الاستقرار الإقليمي واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ويحظى الأمن المائي بمكانة خاصة في الرؤية المصرية، بسبب ارتباط مياه النيل مباشرة بالأمن القومي والتنمية والأمن الغذائي والطاقة.
ويوضح السفير حليمة أن: “الصين تؤيد تأمين حقوق مصر المائية والدفاع عنها، ويرتبط ذلك كذلك بأمن الطاقة والأمن الغذائي”.
وتمنح هذه الرؤية العلاقات المصرية الصينية مساحة إضافية للتنسيق بشأن الملفات الاستراتيجية، خصوصًا مع تنامي الدور الصيني في إفريقيا.
الأمن والبحر الأحمر
تمتد الشراكة المصرية الصينية كذلك إلى المجالات الأمنية والعسكرية والتدريب، بما يعكس اتساع نطاق التعاون خارج الاقتصاد والتجارة.
ويشير السفير حليمة إلى تطوير العلاقات الأمنية والعسكرية والتدريب باستخدام أحدث المعدات والأسلحة في القطاعات العسكرية المختلفة.
وتكتسب هذه المجالات أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر بسبب موقعها المرتبط بالبحر الأحمر وقناة السويس ومناطق إقليمية تشهد أزمات وتحولات مستمرة.
وتتلاقى المصالح المصرية والصينية أيضًا في أمن الممرات البحرية، مع ارتباط قناة السويس بحركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
كما يرى السفير حليمة أن الموقع الجغرافي والثروات والموارد يجعلون الشرق الأوسط وإفريقيا محط اهتمام متزايد من القوى الدولية، وهو ما يرفع القيمة الاستراتيجية لمصر.
شراكة الجنوب العالمي
يتداخل التعاون المصري الصيني كذلك مع مفهوم الجنوب العالمي، في ظل دعوة البلدين إلى تعزيز دور الدول النامية في المؤسسات الدولية.
ويؤكد البيان المصري الصيني المشترك أهمية تعزيز صوت الجنوب العالمي ودعم مشاركة الدول النامية بصورة عادلة ومتوازنة في صناعة القرار الدولي.
وتمنح هذه الرؤية العلاقة الثنائية بعدًا سياسيًا يتجاوز المصالح الاقتصادية، لتدخل في النقاش الأوسع حول مستقبل النظام الدولي وتوزيع القوة داخله.
وتستفيد الصين من موقع مصر العربي والإفريقي، بينما تستفيد القاهرة من علاقاتها مع بكين داخل الأطر متعددة الأطراف.
نموذج متوازن
يضع السفير حليمة مستقبل العلاقات المصرية الصينية داخل مسار انتقال من الصداقة التاريخية إلى الشراكة الشاملة، التي تجمع الاقتصاد بالتكنولوجيا والسياسة والأمن.
ويرى أن هذه الشراكة يمكن أن تمثل نموذجًا للعلاقات المتوازنة بين الدول النامية الكبرى، إذا اقترنت المصالح المشتركة بنقل التكنولوجيا وزيادة الإنتاج والتجارة، فيما يؤكد أن النظام العالمي يتجه نحو تعدد الأقطاب، بما يتطلب الإصلاح والتطوير والتحديث لتحقيق قدر أكبر من التوازن.
ويربط السفير السياسة الخارجية المصرية بحماية المصالح الوطنية ومقتضيات الأمن القومي في دوائره العربية والشرق أوسطية، خاصة ما يتعلق بالخليج وقناة السويس.
ويظل الهدف النهائي، وفق رؤية السفير حليمة، دعم الأمن والاستقرار وشيوع السلام، بما يجعل العلاقات الخارجية أداة لتحقيق المصالح الوطنية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
