خاص: مسؤول إندونيسي كبير يشيد بمؤتمر “الإفتاء العالمي” بالقاهرة

أشاد الدكتور محمد خليل نفيس، نائب رئيس مجلس علماء إندونيسيا، ورئيس مجلس العلماء للشؤون الحكومية والشؤون الإسلامية، بالمؤتمر الدولي السنوي لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

المؤتمر انطلق اليوم الأربعاء، تحت عنوان “التجارب الإفتائية لحماية الأسرة ومستقبلها في مواجهة التحديات المعاصرة”، ويستمر لمدة يومين، بالقاهرة، بمشاركة نخبة من العلماء والمفتين والباحثين من داخل مصر وخارجها.

ويبحث المؤتمر، أدوار مؤسسات الإفتاء في دعم استقرار الأسرة ومواجهة التداعيات الفكرية والاجتماعية والتقنية التي تفرضها التحولات المتسارعة على المجتمعات، إلى جانب تطوير خطاب إفتائي قادر على الجمع بين ثوابت الشريعة وفهم الواقع المعاصر.

وفي تصريحات خاصة لـ”اليوم”، أكد الدكتور محمد خليل نفيس، نائب رئيس مجلس علماء إندونيسيا، ورئيس مجلس العلماء للشؤون الحكومية والشؤون الإسلامية، أن حماية الأسرة لم تعد مسألة اجتماعية محدودة، بل قضية حضارية ترتبط بحماية الهوية وبناء الإنسان واستقرار المجتمع.

الأسرة مؤسسة إنسانية

قال نفيس إن الأسرة هي النواة الأولى التي يتلقى داخلها الإنسان قيمه وأخلاقه وهويته، مشددًا على أنها ليست مجرد اجتماع لأفراد تحت سقف واحد، بل مؤسسة إنسانية وإيمانية وحضارية تحفظ النوع الإنساني، وتنقل القيم، وتصون الهوية، وتؤهل الأجيال لحمل رسالة المجتمع.

وأضاف أن التحديات التي تواجه الأسرة المعاصرة لم تعد مقصورة على الأوضاع الاقتصادية أو الخلافات الاجتماعية التقليدية، بل امتدت إلى الفكر والقيم ومفهوم الحرية والهوية ومعنى الأسرة نفسها.

كما أوضح أن الشباب يعيشون اليوم في فضاء عالمي مفتوح، تتدفق إليه أفكار وثقافات متعددة عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، معتبرًا أن هذا الانفتاح يمكن أن يكون إيجابيًا إذا اقترن بالوعي، لكنه قد يتحول إلى مدخل للاغتراب وفقدان الهوية عندما يغيب الأساس الفكري والقيمي.

الدكتور محمد خليل نفيس

الزواج مسؤولية ورسالة

أشار المسؤول الإندونيسي إلى أن من أبرز التحديات الفكرية المعاصرة النظر إلى الزواج باعتباره علاقة قابلة للتغيير وفق الأهواء والرغبات، بعيدًا عن وظيفته الإنسانية والاجتماعية والحضارية.

وقال إن الزواج في التصور الإسلامي عقد ومسؤولية ورسالة، وليس وسيلة عابرة لإشباع الرغبات، مؤكدًا أنه يقوم على الإيمان والمسؤولية والمودة والرحمة.

وأضاف أن نجاح الأسرة لا يُقاس فقط بمشاعر الحب في بدايتها، وإنما بقدرتها على تجاوز الخلافات وتحمل المسؤوليات وتجديد المودة والرحمة.

ولفت إلى أن العلاقة الأسرية تقوم على التوازن في الحقوق والواجبات، والتعاون بين الزوجين في بناء الأسرة وتربية الأجيال، موضحًا أن الطفل يتعلم في بيته اللغة والأخلاق والدين والانتماء قبل انتقاله إلى المجتمع الأوسع.

“المناعة الإيمانية” بديل الرقابة 

شدد الدكتور محمد خليل نفيس، في حديثه لـ”اليوم”، على أن القوانين والرقابة والمنع، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لحماية الأسرة في العصر الحديث، في ظل تعدد منافذ التأثير الفكري والقيمي والرقمي التي تصل إلى داخل البيوت.

وقال إن المطلوب هو الانتقال من الحماية الخارجية إلى بناء “المناعة الإيمانية” من الداخل، موضحًا أن هذه المناعة تقوم على الإيمان بالله، والوعي الديني، والقيم الأخلاقية، والشعور بالمسؤولية.

وأضاف أن الإنسان الذي يمتلك ميزانًا أخلاقيًا وفهمًا صحيحًا لدينه يكون أقدر على التمييز بين الحق والباطل، والنافع والضار، مهما تعددت المؤثرات المحيطة به.

كما أكد أن الأسرة المحصنة ليست الأسرة التي لا تدخلها التحديات، بل التي تمتلك القدرة على مواجهتها، قائلاً إن الحماية الخارجية قد تكون مؤقتة، بينما تبقى المناعة الإيمانية مع الإنسان في مختلف البيئات والظروف.

التربية بالحوار لا بالمنع

دعا نفيس إلى تطوير أساليب التربية داخل البيوت، بحيث لا تقتصر على الأوامر والنواهي، بل تُعنى ببناء القلب والعقل معًا. وقال إنه لا يكفي مطالبة الأبناء بالابتعاد عن الخطأ، وإنما ينبغي غرس القدرة لديهم على فهم أسباب فعل الخير ومعايير الاختيار السليم.

كما طالب بالانتقال من نموذج السلطة الأبوية الصارمة إلى نموذج يقوم على المشاركة والحوار والثقة، حتى يجد الأبناء داخل البيت إجابات آمنة وموثوقة عن أسئلتهم قبل أن يبحثوا عنها في مصادر مجهولة.

وأضاف أن الأسرة التي تستشرف المستقبل هي التي تستمع إلى أبنائها قبل إصدار الأحكام، وتفهمهم قبل تقديم النصيحة، وترافقهم في مراحل النمو بدلاً من الاكتفاء بمراقبتهم.

وأكد أن التربية المستقبلية لا تستهدف صناعة أبناء مطيعين فحسب، وإنما صناعة أبناء واعين وواثقين، قادرين على التفكير والتمييز وتحمل المسؤولية، دون فقدان إيمانهم أو قيمهم أو هويتهم.

“الأسرة المصلحة”.. صلاح يمتد إلى المجتمع

طرح نفيس مفهوم “الأسرة المصلحة”، مفرقًا بينها وبين الأسرة الصالحة؛ فالأسرة الصالحة تحقق الاستقرار والصلاح داخل كيانها عبر الإيمان والأخلاق والمودة والمسؤولية، بينما تتجاوز الأسرة المصلحة هذا الإطار لتسهم في إصلاح المجتمع وتحقيق مصالحه.

وقال إن الأسرة ليست مكانًا للمطالبة بالحقوق فقط، بل ميدان للتعاون وتحمل المسؤولية المشتركة، وكلما ازداد التعاون بين أفرادها اقتربت من تحقيق الاستقرار والمصلحة.

فيما أكد على أن الأسرة المستقبلية تحتاج إلى معادلة متوازنة بين الثبات والتجديد؛ ثبات على الإيمان والقيم والأخلاق، وتجديد في وسائل التربية والتواصل والتعامل مع التحولات الاجتماعية والتقنية.

وأضاف: “التقدم لا يعني التخلي عن الهوية، والانفتاح لا يعني الذوبان”، مشددًا على أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع اليوم داخل البيوت، من خلال بناء إنسان مؤمن وواعٍ ومتوازن وقادر على تحمل المسؤولية.

اترك رد