هناك سياسة انتقائية واضحة في التعامل مع التعديات المقامة على نهر النيل، وهو ما تسبب في حالة دهشة وصدمة لدى الناس عندما شاهدوا القوانين والقرارات تُنفذ على مخالفات بسيطة، بينما تُركت الجرائم الكبيرة قائمة دون تدخل..
فبعد أن اختفى النهر وحجبته التعديات.. بيوت ومشروعات وفيلات يسكنها علية القوم بطول شريط نهر النيل في محافظة أسيوط، تُركت كما هي، بينما يتم تحرير المحاضر للعشش الصغيرة..
فيلات وقصور قائمة لا تزال تتحدى القوانين والمنطق، بينما يُطبق القانون على الغلابة ممن تخيلوا أن عشة صغيرة في خور، وليس في حرم النهر الرئيسي، يمكن أن تزعج المسؤولين أكثر من المباني الشاهقة التي حجبت النهر تمامًا..
هي تساؤلات مصدرها الدهشة من هذا التناقض بين ما يقال وما يُطبق على أرض الواقع..
وهم يرون الإجراءات تُنفذ بدقة وهمّة وشجاعة مع الغلابة، بينما الكبار لم يقترب منهم أحد.. وهم يرون الحرص على معاقبة مواطن فقير لديه عشة وجاموسة هي مصدر دخله وغذائه، بينما تُترك فيلات وقصور لم يقترب منها أحد..
لقد أفرد الدستور المصري حماية خاصة لنهر النيل في المادة (44) منه، والتي نصت على أن: “تلتزم الدولة بحماية نهر النيل، والحفاظ على حقوق مصر التاريخية المتعلقة به، وترشيد الاستفادة منه، وعدم إهدار مياهه أو تلويثها”، ويُفهم من هذا النص أن المشرع الدستوري لم يعتبر النيل مجرد مورد طبيعي، وإنما: عنصرًا من عناصر الأمن القومي، ومالًا عامًا ذا طبيعة خاصة، وحقًا جماعيًا للأجيال الحالية والمستقبلية، ومن ثم فإن أي اعتداء على النيل لا يقتصر أثره على مجرد مخالفة إدارية، بل يمثل إخلالًا بالتزام دستوري مفروض على الدولة بحماية المورد المائي الأهم في البلاد، كما أن النص الدستوري يُنشئ التزامًا إيجابيًا على عاتق الدولة بالتدخل لمنع التعديات وإزالتها، وليس مجرد الامتناع عن الإضرار بالنهر.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم