من إجابة سريعة إلى حكم شرعي.. لماذا لا يكفي الذكاء الاصطناعي للإفتاء؟
وكيل الأزهر: المفتي الرشيد يجمع بين الملكة الفقهية والمهارات الرقمية
عضو لجنة الفتوى لـ “اليوم”: الذكاء الاصطناعي لا يملك أهلية الإفتاء.. وهي ليست مجرد استرجاع للمعلومات
تقرير- محمود عرفات
مع انتشار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على الإجابة عن مختلف الأسئلة خلال ثوانٍ، أصبح من بينها الأسئلة المتعلقة بالأحكام الشرعية والعبادات والمعاملات، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الفتوى في عصر الذكاء الاصطناعي، ومدى إمكانية الاعتماد على هذه التقنيات في الحصول على إجابات دينية، وهل يمكن أن تحل الآلة محل المفتي المتخصص.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع سهولة الوصول إلى منصات الذكاء الاصطناعي، التي يستطيع المستخدم من خلالها كتابة سؤاله والحصول على إجابة تبدو في بعض الأحيان دقيقة ومفصلة، لكن طبيعة الفتوى تطرح تساؤلات أكبر من مجرد القدرة على الوصول إلى المعلومات واسترجاعها.
الفتوى ليست مجرد إجابة.. ولكنها صناعة علمية
أكد الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، خلال فعاليات المؤتمر الدولي العاشر للإفتاء الذي عقدته دار الإفتاء المصرية، أن الفتوى صناعة لها مقومات وأركان ومبادئ، وأن صناعة المفتي تحتاج إلى إعداد علمي ومهارات متعددة.
وجاء المؤتمر تحت عنوان «صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي»، وشهد مناقشات حول مستقبل الإفتاء في ظل التطور التكنولوجي، والتحديات التي تفرضها أدوات الذكاء الاصطناعي على المجال الديني.
وشدد الضويني على أن المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الجمع بين الملكة الفقهية والوعي المقاصدي والمهارات الرقمية، بما يسمح له بالتعامل مع التطور التكنولوجي دون أن يفقد الضوابط العلمية والشرعية اللازمة لممارسة الإفتاء.
وتكشف هذه الرؤية أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في مجال الفتوى لا يقوم على الرفض الكامل للتكنولوجيا، وإنما على توظيفها بصورة صحيحة، بحيث يستفيد المفتي من إمكاناتها في البحث والوصول إلى المعلومات والمصادر، مع بقاء القرار الشرعي النهائي بيد المتخصص المؤهل.
الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة وليس مفتيًا
فالذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة كميات ضخمة من البيانات والوصول إلى المعلومات بسرعة، لكنه لا يتحمل المسؤولية الشرعية عن الإجابة التي يقدمها، كما أن السؤال الواحد قد تختلف إجابته باختلاف ظروف السائل وملابساته وواقعه.
ومن هنا تبرز أهمية وجود المفتي الذي يستطيع فهم السؤال في سياقه الكامل، والنظر في تفاصيل الحالة، ومراعاة اختلاف الأحوال والأقوال الفقهية والمقاصد الشرعية قبل إصدار الحكم.
حدود الذكاء الاصطناعي في الفتوى
ومن جانبه، أوضح الشيخ محمود عبده الأزهري، عضو لجنة الفتوى بدار الإفتاء، أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يقوم مقام المفتي في إصدار الفتوى الشرعية، مؤكدًا أن الفتوى ليست مجرد استرجاع للمعلومات أو البحث عن إجابة جاهزة، وإنما تحتاج إلى علم شرعي راسخ وقدرة على فهم السؤال والظروف المرتبطة به.
وأشار إلى أن الفتوى ترتبط كذلك بالتقوى والضوابط والمؤهلات التي يجب أن تتوافر فيمن يتصدر لها، باعتبار أن المفتي يتحمل مسؤولية شرعية وأخلاقية عن الحكم الذي يقدمه للسائل، وهو ما لا يمكن اختزاله في إجابة تنتجها خوارزمية بناءً على البيانات المتاحة لها.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكن الاستفادة منه كأداة مساعدة في البحث والوصول إلى المعلومات والمصادر، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المفتي المؤهل الذي يملك الملكة الفقهية والقدرة على تقدير اختلاف أحوال الناس والظروف والملابسات، فضلًا عن الالتزام بالضوابط الشرعية التي تحكم عملية الإفتاء.
الذكاء الاصطناعي مساعد للمفتي وليس بديلًا عنه
وفي السياق نفسه، تناولت دار الإفتاء المصرية استخدام أدوات البحث الرقمي والذكاء الاصطناعي المساعد في تحضير الفتوى، مع التأكيد على ضرورة وجود ضوابط تحكم هذا الاستخدام.
ويعني ذلك أن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة مساعدة للمفتي في الوصول إلى المصادر والبحث وجمع المادة العلمية، لكنها لا تتحول إلى جهة مستقلة تصدر الفتوى دون مراجعة بشرية متخصصة.
كما ناقشت فعاليات المؤتمر الدولي العاشر للإفتاء قضية الإفتاء في عصر الذكاء الاصطناعي، والتحديات التي يواجهها المفتي، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على البعد الإنساني في عملية الإفتاء ووضع إطار شرعي وأخلاقي لاستخدام التقنيات الحديثة.
لماذا لا تكفي إجابة الذكاء الاصطناعي في الفتوى؟
تكمن المشكلة في أن الإجابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي قد تبدو مقنعة ومنظمة، لكنها لا تعني بالضرورة أنها فتوى صحيحة تناسب حالة السائل.
فالفتوى تحتاج إلى فهم دقيق للسؤال، ومعرفة الظروف المحيطة به، والتمييز بين الوقائع المختلفة، إلى جانب دراسة الأدلة والأقوال الفقهية والمقاصد الشرعية والآثار المترتبة على الحكم.
وهنا يظهر الفارق بين أداة تقنية قادرة على معالجة المعلومات، وبين المفتي الذي يمتلك تأهيلًا شرعيًا ويستطيع تحمل مسؤولية ما يصدره من حكم.
التقوى والعلم.. ما الذي يميز المفتي عن الآلة؟
ولا تتوقف عملية الإفتاء عند امتلاك المعلومات، وإنما ترتبط كذلك بمجموعة من الضوابط والمؤهلات التي تؤهل العالم للتعامل مع أسئلة الناس وقضاياهم، وهو ما يؤكد أهمية العنصر البشري في عملية الإفتاء.
ومن هذا المنطلق، فإن الفتوى في عصر الذكاء الاصطناعي لا تعني إلغاء دور المفتي، وإنما تفرض عليه امتلاك أدوات جديدة تساعده في أداء مهمته، مع الحفاظ على التأهيل الشرعي والوعي بالمقاصد والقدرة على فهم الواقع.
مستقبل الفتوى بين العالم والخوارزمية
ومع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن العلاقة بين التكنولوجيا والإفتاء ستتجه إلى مزيد من التكامل، بحيث تصبح الأدوات الرقمية وسيلة مساعدة للمفتي في البحث والوصول إلى المعلومات، بينما يظل إصدار الحكم الشرعي النهائي مسؤولية الإنسان المؤهل.
وبذلك، فإن الفتوى في عصر الذكاء الاصطناعي تقف أمام معادلة جديدة: الاستفادة من سرعة التكنولوجيا وقدرتها على جمع المعلومات، مع عدم التخلي عن العلم الشرعي والملكة الفقهية والتقوى والمسؤولية الإنسانية التي تظل عناصر أساسية في عملية الإفتاء.
وفي النهاية، لا تبدو القضية في منافسة بين الإنسان والآلة بقدر ما هي بحث عن الاستخدام الصحيح للتكنولوجيا، بحيث تخدم المفتي وتساعده في الوصول إلى المعلومات، دون أن تتحول إلى بديل عن المتخصص القادر على فهم الواقع وإصدار الفتوى وفق ضوابطها الشرعية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم