كتبت :إسبرانس مراد
في أجواء مفعمة بالفرح والروحانية، دشن قداسة البابا تواضروس الثاني، صباح اليوم الأربعاء، مذابح وأيقونات كاتدرائية الشهيد مار مرقس الرسول بمقر مطرانية ملوي، وذلك عقب تجديدها وإضافة كنيسة أخرى بنفس المساحة في الطابق الأرضي، وسط حضور شعبي وكنسي كبير، وبالتزامن مع احتفالات إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين باليوبيل الذهبي لتأسيسها.
وتأتي زيارة قداسة البابا في إطار جولته الرعوية للإيبارشية، التي بدأها أمس، احتفالًا بمرور 50 عامًا على تأسيسها عام 1976، إلى جانب الاحتفال بمرور 40 عامًا على حبرية نيافة الأنبا ديمتريوس، مطران ملوي وأنصنا والأشمونين.
استقبال حافل للبابا.. وفرحة شعبية بعودة الحياة إلى الكاتدرائية
واستقبل شعب المطرانية قداسة البابا تواضروس الثاني لدى وصوله إلى الكاتدرائية بفرحة كبيرة، فيما علت الزغاريد أرجاء الكنيسة ترحيبًا بقداسته، الذي بادل أبناءه التحية وباركهم، وسط ألحان استقبال الأب البطريرك التي رددها خورس الشمامسة.
وأزاح قداسة البابا الستار عن اللوحة التذكارية التي تؤرخ لتدشين الكاتدرائية، قبل أن تبدأ صلوات التدشين التي شملت المذابح والأيقونات في الكنيستين.
تدشين ستة مذابح وأيقونات الكاتدرائية
دشن قداسة البابا ثلاثة مذابح في الكنيسة الواقعة بالطابق الأول؛ المذبح الرئيسي على اسم الشهيد مار مرقس الرسول، والمذبح القبلي على أسماء القديسين البابا كيرلس السادس والبابا يوأنس الخامس عشر والآباء البطاركة، بينما حمل المذبح البحري أسماء القديسين البابا ديمتريوس الكرام والقمص بيشوي كامل.
كما دُشنت أيقونات البانطوكراتور، المعروف بـ«حضن الآب»، في المذابح الثلاثة، إلى جانب الأيقونات المثبتة في حامل الأيقونات «الأيكونستاز».
وفي الكنيسة الجديدة بالطابق الأرضي، دُشن المذبح الأوسط على اسمي السيدة العذراء مريم والشهيدة دميانة، والمذبح البحري على أسماء القديس البابا أثناسيوس الرسولي وآباء المجامع المسكونية الثلاثة، فيما حمل المذبح القبلي أسماء الشهداء مار جرجس ومار مينا والشهداء الأطهار.
كنيسة عمرها قرابة قرن.. تحافظ على تاريخها وتفتح أبوابها للمستقبل
وترجع الكنيسة التي جرى تدشينها إلى عام 1927، حين شيدها المتنيح القس منسى يوحنا، أحد أبرز مؤرخي الكنيسة القبطية، بنظام الحوائط الحاملة والطوب المضفور، وتميزت بزخارف الطوب المحروق التي منحتها طابعًا معماريًا فريدًا.
وبعد تأثرها بزلزال عام 1992، خضعت الكنيسة للترميم، ومع تزايد الاحتياجات الرعوية، وضع نيافة الأنبا ديمتريوس حجر الأساس لتجديدها بالكامل في 3 مايو 2025.
وروعي في التصميم الجديد الحفاظ على الهوية التاريخية للكنيسة، وهو ما ظهر بوضوح في الكنيسة التي أُقيمت بالطابق الأرضي، مع الاحتفاظ بحامل الأيقونات والأيقونات الأصلية التي كانت موجودة بها، لتجمع الكنيسة بين أصالة التاريخ واحتياجات الحاضر.
وشارك في صلوات التدشين والقداس الإلهي، إلى جانب نيافة الأنبا ديمتريوس، 18 من الآباء المطارنة والأساقفة، ومجمع كهنة إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين، وعدد من الآباء الكهنة والرهبان.
وعقب التدشين، وقع قداسة البابا والآباء المطارنة والأساقفة على الوثيقة التاريخية التي تؤرخ لهذا اليوم، ثم بدأت صلوات القداس الإلهي.
البابا تواضروس: الكنيسة لا تُبنى بالطوب فقط.. بل بمحبة القلوب
وفي عظته خلال القداس، أكد قداسة البابا تواضروس الثاني أن اليوم يحمل عدة مناسبات كنسية وتاريخية متزامنة، في مقدمتها تدشين كنيسة مار مرقس الرسول بمقر المطرانية، والاحتفال باليوبيل الذهبي لتأسيس إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين، التي تأسست عام 1976 في عهد المتنيح البابا شنودة الثالث وحبرية المتنيح الأنبا بيمن، إلى جانب مرور 40 عامًا على حبرية نيافة الأنبا ديمتريوس.
وأشار قداسته إلى أن الاحتفال يأتي كذلك عقب إتمام المرحلة الأولى من مشروع كوم ماريا، مؤكدًا أن المشروع يمثل «إضافة حقيقية» في احتفال الكنيسة والدولة بمسار العائلة المقدسة.
وقال قداسة البابا: إن الكنيسة، عبر العصور، لم تكن تُبنى بالطوب وحده، وإنما بمحبة القلوب، مؤكدًا أن هذه المحبة هي التي جعلت الكنيسة القبطية غالية على أبنائها، ومكّنتها من الاستمرار والبقاء عبر عشرين قرنًا.
وأضاف أن الكنيسة ستظل حية «كعروس جميلة عبر كل الأزمان»، لأن ما يحفظها ويمنحها قوتها ليس البناء المادي وحده، وإنما المحبة التي تتجسد في حياة أبنائها.
«الإيمان والسلام».. جناحا الكنيسة
وأوضح قداسة البابا أن الكنيسة تُبنى بجناحين أساسيين: الإيمان والسلام.
وأشار إلى أن الإيمان هو ما نعيشه ونتعلمه ونسلمه من جيل إلى جيل، وهو الإيمان الذي رُوي بدماء الشهداء وسير القديسين، مستشهدًا بقول الكتاب المقدس: «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ».
وأكد قداسته أن الإنسان عندما يضع حياته في يد الله، فإن الله يعمل من خلاله ويصنع في حياته المعجزات، مشددًا على أن الحياة والمستقبل يقومان على الإيمان.
أما الجناح الثاني فهو السلام، مشيرًا إلى أهمية صناعة السلام في حياة الإنسان، ومستشهدًا بقول السيد المسيح: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْنَ».
وقال قداسته إن «المحبة المتأججة بالإيمان والسلام» تمثل سرًا أساسيًا لكل نجاح في الحياة.
البابا: نحتفل بالكنيسة والنفوس الجميلة.. وبالقديسين ورائحة المسيح في حياتهم
وأكد قداسة البابا أن الاحتفال بتدشين كنيسة جديدة لا يعني الاحتفال بالمبنى وحده، وإنما بالإنسان أيضًا، قائلًا إن الكنيسة هي نفوس جميلة تعيش الإيمان وتُظهر محبة الله.
وأضاف أن الاحتفال بالقديسين لا يقتصر على ذكراهم، بل هو احتفال بسيرتهم وقداستهم وبـ«رائحة المسيح الذكية» التي ظهرت في حياتهم.
وأشار إلى أن محبة القلوب تظهر من خلال الإيمان الحي والثقة الكاملة في الله وصناعة السلام، حتى يعمل الله في الإنسان ومن خلاله.
إشادة بجهود الأنبا ديمتريوس
وأعرب قداسة البابا عن فرحته بما تحقق في الإيبارشية، مشيدًا بجهود نيافة الأنبا ديمتريوس، قائلًا:
«نفرح اليوم مع نيافة الأنبا ديمتريوس بهذا العمل الجميل ويد الله التي تعمل معه».
وأضاف أن الشعور بعمل الله يدفع إلى مزيد من العمل والعطاء، مستشهدًا بقول الكتاب: «لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ».
البابا تواضروس: نشكر الله على السلام الذي تنعم به بلادنا
وفي رسالة حملت بُعدًا وطنيًا، أعرب قداسة البابا تواضروس الثاني عن شكره لله على نعمة السلام التي تنعم بها مصر، قائلًا:
«نشكر الله أكثر وأكثر على السلام الذي تتمتع به بلادنا تحت قيادة سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي».
وأكد قداسته أن السلام «نعمة غالية»، خاصة في ظل المتاعب والأزمات التي تشهدها دول المنطقة، معربًا عن شكره لله على ما تتمتع به مصر من نعمة الاستقرار والسلام.
ترقية ستة كهنة إلى رتبة القمصية
وعقب صلاة الصلح، صلى قداسة البابا تواضروس الثاني صلوات منح رتبة القمصية لستة من كهنة إيبارشية ملوي، ممن تمت سيامتهم في درجة القسيسية خلال الاحتفال باليوبيل الفضي لتأسيس الإيبارشية.
والقمامصة الجدد هم:
– القمص باڤلوس بشرى، كاهن كنيسة الشهيد مار مينا بملوي.
– القمص بيمن فخري، كاهن كنيسة السيدة العذراء والشهيدة دميانة بقرية الملكية القبلية.
– القمص أغسطينوس إيليا، كاهن كنيسة الشهيد مار جرجس بقرية الملكية البحرية.
– القمص باسيليوس كرومر، كاهن كنيسة السيدة العذراء والشهيد ودامون الأرمنتي بالأشمونين.
– القمص عبد المسيح عجايبي، كاهن ورئيس كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بقرية دير الملاك بملوي.
– القمص إيليا أنيس، كاهن كنيسة الآباء الرسل بقرية قزمول بملوي.
وهكذا شهدت ملوي يومًا استثنائيًا امتزجت فيه عبق التاريخ بفرحة الحاضر، من تدشين كاتدرائية تحمل ذاكرة قرابة قرن من الزمان، إلى الاحتفال بخمسين عامًا على تأسيس الإيبارشية وأربعين عامًا من خدمة نيافة الأنبا ديمتريوس، وصولًا إلى تأكيد البابا تواضروس أن الكنيسة التي شيدها الآباء بالطوب، إنما حفظتها عبر القرون محبة القلوب، والإيمان، والسلام.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم