من 100 إلى 50 طالبًا.. ماذا تغير داخل الفصل المصري؟

تقرير: فاطمة الزناتي

بعد سنوات من أزمة الكثافات المرتفعة داخل المدارس، بدأت وزارة التربية والتعليم العام الدراسي الجديد بأرقام تشير إلى تراجع أعداد الطلاب داخل الفصول، لكن مع انطلاق الدراسة فعليًا يظل السؤال الأهم: هل انعكس انخفاض الكثافة على تفاصيل اليوم الدراسي وقدرة المعلم على متابعة طلابه، أم أن تغيير عدد الطلاب يمثل خطوة ضمن مجموعة إجراءات تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها؟

أرقام جديدة

أعلن محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، خلال لقاء مع رؤساء تحرير الصحف والإعلاميين في 10 سبتمبر، أن متوسط كثافة الفصل وصل حاليًا إلى 41 طالبًا، مؤكدًا أن عدد الطلاب داخل الفصل لا يتجاوز 50 طالبًا، مشيرًا إلى أن الوضع اختلف عن العام الدراسي 2023/2024، عندما كان هناك نحو 2000 فصل يضم كل منها أكثر من 100 طالب، بينما أصبح عدد هذه الفصول حاليًا صفرًا.

وأوضح وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، أن خفض الكثافات كان من بين الإجراءات التي ساهمت في عودة الطلاب إلى المدارس، إلى جانب التعامل مع عدد من المشكلات الأخرى داخل المنظومة التعليمية.

ووفق ما عرضه عبداللطيف خلال اللقاء، ارتفع معدل حضور الطلاب من 15% خلال العام الدراسي 2023/2024 إلى 87% حاليًا، في إطار الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لزيادة انتظام الطلاب داخل المدارس.

المعلم في الصورة

ولا تتوقف أزمة الكثافات عند عدد المقاعد داخل الفصل، إذ ترتبط أيضًا بقدرة المعلم على إدارة الحصة ومتابعة مستويات الطلاب المختلفة، خاصة عندما يكون الفارق بين أعداد الطلاب داخل الفصل كبيرًا.

وفي لقاء سابق مع نحو 4500 مدير مدرسة، أكد الوزير أن مديري المدارس والمعلمين شركاء أساسيون في صناعة القرارات التعليمية وتنفيذها، مشيرًا إلى أهمية دور الإدارة المدرسية في التعامل مع المشكلات التي تواجه العملية التعليمية داخل المدرسة.

ويتقاطع ذلك مع ملف توفير المعلمين، الذي تحدث عنه الوزير خلال لقاء سبتمبر، موضحًا أن العجز في أعداد المعلمين كان يصل إلى نحو 469 ألف معلم، وأن التعامل مع هذا العجز يحتاج إلى إجراءات للتعيين والاختبارات ووقت لتنفيذها.

وفي المقابل، أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، أن الوظائف التدريسية البالغ عددها 469 ألفًا و860 وظيفة جرى سدها وإشغالها تشغيليًا، وهو ما يضع خفض الكثافات أمام تحد آخر يتعلق بمدى توافر المعلم داخل الفصل وانتظام العملية التعليمية.

ومن الناحية التربوية، يرى الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، أن انخفاض كثافة الفصول، إلى جانب وجود معلم متخصص والمتابعة اليومية والأنشطة المدرسية، من العوامل التي تساعد المدرسة على استعادة دورها التعليمي والتربوي.

من الرقم إلى الواقع

ويشير هذا الطرح إلى أن انخفاض عدد الطلاب يمكن أن يوفر ظروفًا أكثر ملاءمة لعمل المعلم، لكنه لا يمثل وحده معيارًا كافيًا للحكم على مستوى العملية التعليمية.

فالفصل الأقل ازدحامًا قد يمنح المعلم مساحة أكبر للحركة والمتابعة، ويتيح وقتًا أفضل للتعامل مع أسئلة الطلاب ومستوياتهم المختلفة، لكن الاستفادة من ذلك تظل مرتبطة بعوامل أخرى، من بينها انتظام الحضور، وتوافر المعلمين، وإدارة الحصة، ومستوى الطلاب، وقدرة المدرسة على التعامل مع الفروق الفردية بينهم.

لذلك فإن الانتقال من فصل شديد التكدس إلى فصل أقل عددًا لا يعني تلقائيًا أن جودة التعلم تحسنت بالقدر نفسه، وإنما يزيل أحد العوائق التي كانت تواجه المعلم والطالب داخل الفصل.

وتصبح هذه النقطة أكثر أهمية مع بدء العام الدراسي وانتقال المدارس من مرحلة الاستعداد إلى تنفيذ اليوم الدراسي بصورة منتظمة، إذ لم يعد التحدي متعلقًا فقط بخفض الرقم، وإنما بكيفية استثمار هذا الانخفاض داخل الحصة.

اختبار السنوات المقبلة

فالوزارة أعلنت وصول متوسط الكثافة إلى 41 طالبًا، وعدم وجود فصول تضم أكثر من 50 طالبًا، بعد إنهاء الفصول التي كانت تتجاوز 100 طالب، وهو ما يفتح مساحة لقياس ما إذا كان التغيير في أعداد الطلاب سينعكس على طريقة إدارة الفصل والمتابعة اليومية.

وفي هذا السياق، قال الوزير إن مشكلة الكثافات كانت قائمة على مدار نحو 30 عامًا، مشيرًا إلى أن الوزارة أجرت دراسات حول أعداد المواليد والاحتياجات المستقبلية للمدارس، بهدف ضمان استقرار الكثافات خلال السنوات الست المقبلة، وأوضح أن الوزارة تتابع أعداد الطلاب والاحتياجات المستقبلية حتى لا تعود المشكلة مرة أخرى.

وبعد مرور أيام على بداية العام الدراسي، يبدو أن خفض الكثافات يدخل مرحلة مختلفة؛ فبعد أن كان التعامل مع الأزمة يرتبط بتوفير أماكن تستوعب أعداد الطلاب، أصبح التحدي هو الحفاظ على الانخفاض والاستفادة منه داخل الفصل، وبينما تقدم الوزارة أرقامًا تعكس تراجع الكثافات وارتفاع معدلات الحضور وفق ما أعلنته، يظل الحكم على الأثر التعليمي مرتبطًا بما يحدث بصورة يومية داخل المدارس، من طريقة إدارة المعلم للحصة إلى مستوى متابعة الطلاب وقدرتهم على الاستفادة من وقت التعلم.

وهكذا ينتقل ملف الكثافات من مجرد البحث عن عدد مناسب للطلاب داخل الفصل إلى اختبار أوسع لمدى قدرة المدرسة على تحويل هذا التغيير إلى ممارسة تعليمية ملموسة، بحيث لا يظل انخفاض الكثافة مجرد رقم في بيانات الوزارة، وإنما يظهر أثره في تفاصيل اليوم الدراسي التي يعيشها الطالب والمعلم داخل الفصل.

اترك رد