محمد العيادي يكتب: هل الحجّاج مُفترٍ أم مُفترًى عليه؟  

حين يسعى البعض لتشويه التاريخ الإسلامي ورموزه، كما هي الحال مع الحجاج بن يوسف الثقفي، ومقارنة ذلك بما قالته النائبة الإسبانية “بيلارا”: (إن الإسلام لم يهدم الحضارات بل كان من صانعيها)، فإن ذلك يدعونا لنظرة نقدية قاسية لإعلامنا الموجه الذي يمارس الظلم ضد رموزنا الذين قدموا ما لم يقدمه غيرهم، وذلك استناداً إلى معلومات مغلوطة دون تحقق، يضاف إلى ذلك حالة التشكيك الممنهج في العلماء والأئمة ورواة الحديث كالإمام البخاري، وهو ما يصب في مصلحة أعداء الإسلام الذين يسعون لاختزال حقيقته وتزييف تاريخ أمة كاملة؛ تلك الحضارة التي كرّمت الإنسان وضبطت حقوقه وواجباته، ولم تكن يوماً عدواً للإنسانية، بل كانت منارة للعلم والمعرفة، فأنجبت العباقرة في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة.

منذ أن أرسى أبو العباس وأخوه أبو جعفر المنصور دعائم الدولة العباسية، أدركا الأهمية البالغة للإعلام في صياغة وعي الناس؛ إذ استخدماه وسيلة للتخلص من بقايا الأمويين في المشرق والقضاء على نفوذهم في الأندلس، وتحييد أي منافس على الخلافة، وعلى سبيل المثال، سخّر الإعلام العباسي أدواته لتشويه صورة الحجاج بن يوسف الثقفي لترسيخ شرعية حكمهم، مصورين أنفسهم كمنقذين للناس من ظلم الأمويين، وبأنهم جاؤوا بتوفيق من الله لرفع هذا الظلم.

ومع إقرارنا بوقوع بعض الأخطاء من الأمويين -فهذه طبيعة بشرية- إلا أن ما صوّره الإعلام العباسي كان مبالغاً فيه ومجانباً للصواب، ولقد برز في العصر العباسي كُتّاب من مختلف الأجناس والعقائد في مجالات الأدب والفلسفة والفقه، وأصبحوا الركيزة الأساسية لإعلام الدولة وأقوى أسلحتها في مواجهة خصومها، مما ساهم في طمس الحقائق وتشويه رجالها، وهو نهج تكرر كثيراً في عصورنا الحديثة.

أتفق على أن الحجاج بن يوسف الثقفي يُعد شخصيةً مثيرةً للجدل، بناءً على ما نُقل عنه في المصادر التاريخية التي حملت في طياتها الصواب والخطأ، فإذا نظرنا إلى قسوته وشدته، نجد أن ظروف عصره كانت تستدعي ذلك الحزم لإرساء دعائم الدولة وإيصالها إلى بر الأمان، مما أسهم في نهضة الأمة الإسلامية وتوطيد أركان الدولة الأموية وتطور الحضارة الإسلامية.

لقد شهدت فترة ولاية الحجاج توسعاً في الفتوحات الإسلامية، كفتح بلاد ما وراء النهر وبلاد السند، كما يُعد نموذجاً يُحتذى به في الإصلاحات الاقتصادية والعمرانية؛ إذ أسهم بشكلٍ كبير في إصلاح النظام النقدي الذي بدأه الخليفة عبدالملك بن مروان، حيث أصدر الدنانير والدراهم العربية في العراق، ومنع التعامل بالعملات البيزنطية والفارسية، كما أشرف على العديد من الأنشطة التجارية، وإليه يعود الفضل في توجيه نصر بن عاصم (بإشراف من عاصم بن أبي النجود) لوضع النقاط على أحرف المصحف الشريف وتجزئته إلى أجزاء وأحزاب وأرباع، فضلاً عن دعمه الكبير للغة العربية. فهل يُعقل أن يُصنف من حقق هذه الإنجازات كظالمٍ سفاكٍ للدماء؟

اترك رد