كاتبة جزائرية: هدف سلسلة الرسائل جمع شتات العرب بالأدب ومصر المحطة الملائمة للهدف

  • أم الدنيا جسر الحب بين العرب… صحفية جزائرية تروي تجربتها بين الكتابة عن مصر والحياة فيها

حسيبة عتوت:

  • الرسائل المصرية نصوص مختلفة تروي وجوه مصر المتنوعة والجميلة

  • مصر فيها ألفة أشعرتني أنني بنت المكان فامتلكتني وجذبتني إليها مثل المغناطيس

  • الشخصية المصرية تشعرك براحة فالمصري “يعطيكِ وجه الميعاد”

  • الغردقة ذاكرة الحرب والسلام من شدوان حيث امتزجت الدماء بمياة البحر إلى لقاء الأوكران بالروس

حوار: مروة محي الدين

في تجربة أدبية بنى الكاتبان المفكر اللبناني “فيصل جلول” والإعلامي الدكتور “سامي كليب” موطنا لحوار عربي صرف، يجمع بالكلمة ما فرقته السياسية، عبر سلسلة الرسائل التي كانت آخر محطاتها هذا العام: الرسائل المصرية، برواية 24 كاتبًا عربيًا غير مصري، حكى كل واحد منهم وجهًا جديدًا لمصر كما رآه، فأضحت الرسائل ألبوم صور يضم لقطات مختلفة لها.

وحين رحنا في جريدة اليوم نكتشف تلك الصور، رافقتنا في الرحلة واحدة من أصحاب الرسائل الكاتبة الصحفية الجزائرية “حسيبة عتوت”، في حوار خاص حكت فيه عن صور مصر من كتاب الرسائل إلى الواقع الذي عايشته طوال سنوات إقامتها فيها.

 

كم مصر في الرسائل؟

 

تحكي “حسيبة” في روايتها عن مصر بين الرسائل وواقع تجربتها، فتقول: كان قدومي إلى مصر لسبب شخصي حيث تزوجت فيها، وأقمت وزوجي الذي هو لبناني منذ عام 2017 وحتى الآن، وعلى الرغم من أنني لم أفكر في زيارة مصر قبل الزواج، ولم أحمل يومًا صورة ذهنية عنها، قدر لي أن أتي إليها لتكون نقطة مهمة في مسيرة حياتي، فكان ذلك من حسن طالعي، وبوجودي فيها اكتشفتها وأحببتها أكثر مما أحبها، فهي بلد تحب بكافة أشكاله.

في البداية كنت ألاحظ كل شيء فيها، وتجذب انتباهي أدق التفاصيل، ثم هدأت وتيرة الملاحظة بعدما ألفت المكان، وكان أول ما أثار استغرابي هو الحياة في الشوارع على مدار الأربع وعشرين ساعة فالبلد يكاد لا ينام، ما يختلف كثيرًا عن الوضع لدينا في الجزائر، حيث نستيقظ جميعا مبكرًا للعمل والمدارس والجامعات، وعليه ينام البلد بأكمله مبكرًا، لذا كان زحام الطرق حتى ساعات متأخرة من الليل أمرًا جديدًا جدا عليَّ.

والألفة كانت ثاني العلامات المميزة في مصر، فعلى سبيل المثال: خلال أيامي الأولى فيها خرجت أتمشى بمفردي فلم أخف، واشتريت بعض احتياجاتي ولم أشعر بالغربة، فكانت هذه هي مصر، وأجبت على سؤال أهلي: كيف وجدت مصر؟ فقلت لهم: فيها ألفة، حيث أشعرتني أنني بنت المكان، تحس أنها تمتلك أو تسحبك لها.

في الرسائل المصرية لا سيما في النص الذي كتبته فيها، وجدت في كل مدينة أو تجمع سكاني فيها مصر جديدة، فمثلا لو ذهبت في زيارة لاستكشاف القاهرة، تجد مصرًا في وسط البلد، ثم تزور حي الزمالك فتجد مصرًا أخرى، أي تجد في كل بقعة فيها وجهًا جديدًا، قد يعزى إلى تعدد تجاربها مع السياحة والحضارات التي ضمتها، إنها حقًا أم الدنيا.

وفي الرسائل نجد كل واحد من الكتاب المشاركين فيها كتب عن مدينة، لكننا حين نضع الصور المختلفة التي وصفت فيها مدن مصر وأماكنها إلى جوار بعضها نجدها لا تجتمع إلا على أنها في النهاية تتحدث عن مكان اسمه مصر، فنجد النصوص تتحدث عن طنطا والإسماعيلية والغردقة والإسكندرية في صور مختلفة، تجتمع في أنها تحكي عن مكان واحد اسمه مصر، فهي صور مختلفة لكنها مألوفة، وكل منطقة مختلفة عن الأخرى لكن هذه هي مصر يوجد فيها كل شيء.

 

الشخصية المصرية

وصفت “حسيبة” الشخصية المصرية قائلة: بحكم تجربتي يمكنني القول أن الشخصية المصرية أحد أهم أسباب الألفة في هذا البلد، حيث أنها اعتادت على الوافدين من جميع الجنسيات وجميع أنحاء العالم، فلا تراها تتعجب من ذاك الذي لا يتحدث لهجتها ولا تعامله باعتباره أجنبي، فنجد المصري يتمتع بموهبة التعامل مع كل وافد أيا كانت جنسيته ولغته، ويتعاطى معه وييسر عليه أموره.

والشخصية المصرية لها ملامح كثيرة، فنجد أالتعامل اليومي مع أي فرد في الشعب يشعرك براحة، وعلى سبيل المثال: حال استقلال سيارة أجرة تجد السائق يوصلك بسهولة أي وجهة تريدها، تلك شخصية المصري تجده يبسط لك الأشياء بما يشعرك بالراحة، كما تجده يرحب بك بحفاوة، لاسيما حين يسألني عن موطني وأقول له: من الجزائر أجده يجيب مباشرة: “أحسن ناس”، أي أنه مثلما نقول في الجزائر: “يعطيكِ وجه الميعاد”.

والشخصية المصرية ليست منغلقة على نفسها، على العكس هي شخصية منفتحة جدا، وعلى سبيل المثال: مدينة الغردقة- التي تناولتها في الرسائل المصرية- كانت تجمع جنسيات مختلفة وحتى المتضادين، فحين كنت فيها كانت الحرب الأوكرانية الروسية على أشدها، فيما كانت منتجعات المدينة تجمع الأوكراني والروسي في رقصة واحدة وسهرة واحدة وحتى يحتسون الشراب معًا، وحين ينهي كلا منهما عطلته يعود إلى موطنة الذي يعادي الآخر، وكل ذلك منبعه الشخصية المصرية التي تحتضن الآخر.

وفي نقاش سابق مع زوجي قال لي: “مصر مثل المعدة تهضم كل شيء”، وفعلا شعرت أن تلك الكلمة هي ما تصف مصر، فهي تهضمك فعلا أو تمتصك فلا تشعر الغربة أو اختلاف اللغة أو غيرها، وهو ما ألمسه حين يزورنا أحد من أهلنا هنا في مصر نجده يكرر الزيارة ليزور منطقة أخرى حيث زار القاهرة المرة الأولى، فيعود الثانية ليزور أسوان أو الإسكندرية أو الأقصر… إلى آخره.

وقد استطاع المصريون إذابة فروق اللغة تماما، ففي الغردقة وجدتهم لا يقفون عند معرفة اللغة الإنجليزية الأكثر انتشارا في العالم، بل يتحدثون الألمانية والبولندية والهولندية وغيرها، فتلك أيضًا أحد مواهب المصريين، بحكم قواعد استقبال الوافدين التي تفرضها السياحة، بأن ينفتحوا على التعامل مع كل الناس، فالمصري أضحى يعرف لغة الغريب ويساعده بكل سهوله، حتى أن هناك أجانب مستقرين بالغردقة الآن.

 

الغردقة حاضرة الحرب والسلام

في رسالتها التي ضمتها الرسائل المصرية تناولت “حسيبة” مدينة الغردقة، لأسباب مباشرة أوضحتها في حديثها قائلة: اخترت الغردقة في كتابتي للرسائل المصرية لأنني زرتها كثيرًا، وحين طلب مني الأستاذ “فيصل جلول” أن أكتب النص الخاص بي كنت ذاهبة إلى الغردقة بعد يومين، فكان النص طازجًا في ذهني فقلت له مباشرة أنني سأكتب عن تلك المدينة.

وكانت الفكرة الشائعة عن الغردقة أنها مدينة منتجعات سياحية فليس فيها مادة للكتابة عنها، ويمكن للصحفي أن يقول: صعب أجد فيها ما يكتب عنه موضوع صحفي، وأنه إذا كتب سيقع في دائرة الترويج السياحي؛ لكنني في زيارة بعد زيارة ومع تكرار الزيارات اكتشفت أن هذه المنطقة كوزموبوليتانية بكل المقاييس، وبالتجول في مناطق المدينة المختلفة بدأت أكتشف أنها ليست مدينة سياحية فقط.

وبالعودة إلى تاريخ المدينة وعلاقتها بحرب أكتوبر 1973، وتحديدًا في جزيرة شدوان ودورها في الحرب، وجدتها مدينة تحمل ذاكرة الحرب والسلام، وهو ما لمسته بمجرد الوقوف فيها ورؤية موقعها من شبة جزيرة سيناء، هنا علمت أنها شهدت تضحيات اختلطت فيها مياة البحر بالدماء.

والصورة الثانية للحرب والسلام كانت باستضافة المدينة لطرفي حرب- الأوكران والروس- وتجمعهم على أغنية واحدة وعشاء واحد ورقصة واحدة في نفس المكان دون اعتراض من أحدهم في أوج احتدام المعارك بين بلديهما.

هنا رأيت فيها نسخة مصغرة من مصر في أنها تجمع كل الناس، وأهلها يتعاملون بنفس درجة الحفاوة واللطف مع كل الجنسيات، ويستوعب كافة الأجناس دون أدنى صعوبة في ذلك.

 

رسائل من مصر

حين تحولت “حسيبة” من إحدى كتاب الرسائل المصرية إلى قارئة لها، رأت فيها المشروع الذي استهدفه صاحباها بجمع كلمة العرب، فقالت: في هذا المشروع يحاول أصحابه جمع شتات منطقتنا العربية عن طريق الأدب، عبر الإجابة على سؤال: كيف يرى العرب بعضهم، وعلى سبيل المثال: أنا الجزائرية كيف أرى مصر، واللبناني كيف يرى المغرب، والخليجي كيف يرى تونس.

وقد لمست تحقق هذا الهدف كاملا في الرسائل المصرية، وكتبت عنه أحد مقالاتي في إحدى المواقع العربية، حيث رأيت أن مصر من أكثر محطات مشروع الرسائل ملائمة لهدفه، بإعادة اكتشاف العرب بعضهم البعض بأقلام بعضهم البعض، حين يكتب الكتاب العرب عن مناطق عربية مختلفة لنكتشف بعض، ووجدته أكثر مشروع يعبر عن الامتنان لصورتنا الجميلة في الوطن العربي.

وبالأخير فمشروع الرسائل كله هو محاولة لتقديم صورة جميلة عن مناطقنا المختلفة في الوطن العربي، أما عن مصر فلا تكفيها رسائل أو مجلدات، لأنك في كل يوم تكتشف فيها وجهًا جديدًا وتظهر لك شيء جديد، فعن نفسي مرت عشر سنوات تقريبا ومازلت أكتشف فيها كل يوم شيئًا جديدًا، حيث لم ازر كل مناطق وأماكن مصر، وكلما زرت مكانًا جديدا اكتشفت جديدا لم أكن أعرفه، وإن كان هذا المكان تاريخيا أكتشف مصر التي كانت منذ مائة عام أو خمسين أو أكثر أو أقل، فمصر في كل مراحلها مميزة، وهو ما لا يختلف عليه اثنين، وهي تجذبك مثل المغناطيس ولا يمل منها.

ولا يسعني في نهاية الحوار إلا أن أقول: حفظ الله هذا البلد، الذي أحببته كثيرًا وأمتن له كثيرًا، ومستمتعة جدا بتجربتي فيها، وأرى ذلك من خلال ابني الذي يشعر بانتمائه لها فنجده دائمًا يقول: أنا مصري، حتى أنه حين أراد تعلم البيانو في سن الأربع سنوات غضب من معلمه لأنه راح يعلمه عزف أغنية بسيطة للأطفال، فبكى الولد وغضب لأنه يرغب في أن يعلمه نشيد “بلادي بلادي” ليعزفه في المدرسة، وكان ذلك الموقف مفاجأة للمعلم نفسه أن يصدر من طفل في مثل هذا العمر.

 

اترك رد