كتب – أسامة منيسي
كان الساحل الشمالي لسنوات طويلة مرتبطًا بموسم الصيف فقط، لكن المشهد تغير بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة؛ فلم تعد المنطقة مجرد شواطئ يقصدها المصطافون لأسابيع محدودة، بل تحولت إلى مركز متنامٍ للسياحة والاستثمار والعمران، تدور فيه عجلة الاقتصاد على مدار العام.
ومن العلمين الجديدة إلى الامتدادات الغربية للساحل، ظهرت ملامح جديدة لمنطقة أصبحت تجمع بين المنتجعات والفنادق والمطاعم والمراكز التجارية والأنشطة الترفيهية، لتنتقل من مفهوم “المصيف” إلى نموذج متكامل للمدن السياحية الحديثة.
وتتزامن هذه التحولات مع توجه الدولة لتعظيم دور القطاع السياحي، حيث تستهدف خطة العام المالي 2025/2026 ضخ استثمارات كبيرة في قطاع السياحة والآثار تصل إلى نحو 116.2 مليار جنيه، بهدف زيادة الطاقة الفندقية وتعزيز قدرة مصر على جذب المزيد من الزوار.
إقبال متزايد وحركة سياحية غير مسبوقة
أصبح الساحل الشمالي أحد أبرز مقاصد السياحة الداخلية، حيث تشير تقديرات العاملين بالقطاع إلى استحواذ المنطقة على نحو 35% من حركة السياحة الداخلية خلال موسم الصيف، مع تسجيل عدد من الفنادق والمنتجعات نسب إشغال تتجاوز 95% خلال فترات الذروة.
وقال معتز أمين، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة برايم للإدارة الفندقية، إن الساحل الشمالي أصبح محورًا رئيسيًا للحركة السياحية الصيفية، خاصة مع الفعاليات الكبرى التي ترفع معدلات الإقبال وتدعم قطاعات الإقامة والمطاعم والترفيه.
ولم تعد المنطقة تعتمد فقط على الزائر المصري، إذ شهدت خلال الفترة الأخيرة نموًا في أعداد السائحين العرب، وهو ما انعكس على حجم الإنفاق في الفنادق والمطاعم والمحال التجارية ووسائل النقل والأنشطة الترفيهية.
العقار يكتب فصلًا جديدًا في قصة الساحل
لم يتوقف التحول عند السياحة، بل امتد بقوة إلى القطاع العقاري، حيث أصبح الساحل الشمالي واحدًا من أهم مراكز المبيعات العقارية في مصر، مدفوعًا بزيادة الطلب على المشروعات المتكاملة.
ووفق تقديرات شركة The Board Consulting، سجلت مبيعات الساحل الشمالي نحو 1.2 تريليون جنيه خلال عامي 2024 و2025، بما يمثل نحو 36% من إجمالي مبيعات المشروعات السكنية المغلقة في السوق المصرية خلال الفترة نفسها.
كما بلغت مبيعات المنطقة خلال عام 2025 وحده نحو 520 مليار جنيه، لتحتل المرتبة الثانية بين أكبر مناطق المبيعات العقارية في مصر بعد شرق القاهرة.
وأكد أحمد زكي، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة The Board Consulting، أن الساحل الشمالي أصبح أحد المحركات الأساسية للسوق العقارية، مشيرًا إلى وجود أكثر من 70 مشروعًا نشطًا للبيع على امتداد يتجاوز 230 كيلومترًا.
مشروعات عملاقة تغير خريطة المنطقة
ساهمت المشروعات الكبرى في إعادة تشكيل هوية الساحل الشمالي، وعلى رأسها مشروع “ساوث ميد” التابع لمجموعة طلعت مصطفى، إلى جانب عشرات المشروعات الأخرى التي لم تعد تركز على الوحدات الصيفية فقط، وإنما تقدم مجتمعات متكاملة تضم فنادق ومطاعم ومناطق تجارية وخدمات ترفيهية ورياضية.
ووفقًا لتقديرات The Board Consulting، استحوذت مجموعة طلعت مصطفى على نحو 38% من إجمالي مبيعات الساحل خلال عامي 2024 و2025، بينما سجلت مبيعاتها نحو 130 مليار جنيه خلال 2025، فيما بلغت مبيعات أكبر ثلاثة مطورين بالمنطقة نحو 255 مليار جنيه خلال العام نفسه.
الحفلات والفعاليات.. وقود اقتصادي جديد
أضافت الفعاليات الترفيهية والحفلات بعدًا اقتصاديًا جديدًا للساحل الشمالي، بعدما أصبحت عنصر جذب رئيسيًا خلال أشهر الصيف، بما تولده من إنفاق على الإقامة والمطاعم والنقل والتسوق والخدمات.
وتشير تقديرات القطاع إلى أن حجم الإنفاق المرتبط بهذه الأنشطة تجاوز 10 مليارات جنيه خلال الموسم الصيفي، ما يعكس تأثيرها على قطاعات اقتصادية متعددة.
الساحل الشمالي.. من موسم قصير إلى وجهة مستدامة
تمتد أهمية الساحل الشمالي إلى ما هو أبعد من السياحة المباشرة، إذ يوفر فرصًا واسعة لقطاعات العقارات والخدمات والنقل والتجارة، فضلًا عن فرص العمل المرتبطة بهذه الأنشطة.
ويرى مستثمرون ومطورون أن استمرار التوسع العمراني، وزيادة الطاقة الفندقية، وتنشيط الفعاليات خارج أشهر الذروة، قد يدفع المنطقة نحو التحول إلى مقصد سياحي واستثماري يعمل طوال العام.
فالساحل الشمالي لم يعد مجرد شاطئ لقضاء الإجازة، بل أصبح أحد مشروعات التنمية الكبرى في مصر؛ منطقة تتغير ملامحها يومًا بعد آخر، وتتحول من مصيف موسمي إلى مركز اقتصادي يحمل فرصًا جديدة للسياحة والاستثمار.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم