من عادتي كلما أمسكت بجهاز التحكم بالتلفاز أن أتنقل بين القنوات الإخبارية، وفي إحدى تلك المرات توقفت عند قناة “المشهد” التي كانت تبث مقابلة مع ناشطة أمريكية يهودية تُدعى “نينا جين ساليغمان”. لفتني في هذه السيدة أمران؛ أولهما إصرارها على التحدث باللغة العربية رغم صعوبة النطق بها، لدرجة أنني تمنيت لو أنها تحدثت بلغتها الأم، ولو كان حدث هذا لكان الحديث أيسر عليها، وهنا توقفت كثيراً عند هذا الإصرار وقلت في نفسي: يا ليتنا نتمسك بلغتنا العربية كما تتمسك بها هذه السيدة الأمريكية، بينما نحن ننطق بالإنجليزية وكأننا من أهلها!
أما الأمر الآخر، فهو حديثها عن القضية الفلسطينية بكل أمانة، ناقلةً معاناة الشعب الفلسطيني إلى الشعب الأمريكي والعالم أجمع جراء الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، ولقد كانت “ساليغمان” تجهل الكثير من الحقائق التي في عموم الشرق الأوسط كما يجهلها الكثيرون في العالم الغربي؛ إذ لم تسمع باسم “فلسطين” إلا وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وحين رأت خريطة فلسطين في درس للتاريخ، بدأت تطرح أسئلة لم تجد لها إجابات، مما دفعها للبحث والتواصل مع العرب في الولايات المتحدة، ومع جمعها لبعض المعلومات، قررت زيارة الضفة الغربية للاطلاع بنفسها على حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال.
استعادت “ساليغمان” تفاصيل زيارتها الأولى إلى نابلس، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بالخوف نتيجة الصورة النمطية التي ترسخت في ذهنها عما سمعته عن العرب، لكنها فوجئت بخلاف ذلك تماماً؛ إذ وجدت الترحاب وحسن الاستقبال في منازلهم، ولم يكتفوا بذلك، بل علموها اللغة العربية وعرفوها على الثقافة العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً، وتضيف “ساليعمان” أنهم عاملوها بكل احترام رغم علمهم بأنها يهودية ولديها أقارب في الجيش الإسرائيلي، مما هدم لديها كل التصورات السلبية عن العرب الذين لمست فيهم الإنسانية والكرم؛ وهو ما حملها أمانة إيصال هذه الحقائق إلى الشعب الأمريكي لتكشف لهم ما غطاه الباطل.
ذكرت “ساليغمان” أن ما رأته خلال زيارتها للخليل هو أن الدجاج يعيش في ظروف أفضل من البشر؛ وحظائر الدجاج تتوافر فيها المياه والكهرباء، بينما يفتقر الفلسطينيون المجاورون لأدنى مقومات الحياة، وقد عمّق هذا التفاوت بين المستوطنين والفلسطينيين قناعتها بضرورة تسليط الضوء على الآثار السلبية للسياسات الإسرائيلية على الحياة اليومية للفلسطينيين.
واجهت “ساليغمان” تحديات بسبب هويتها اليهودية وإتقانها اللغة العربية، وصلت إلى حد اتهامها بالتجسس، كما استحضرت تجربتها في مدينة عمّان بالأردن عندما حاولت إخفاء جنسيتها الأمريكية عن سائق سيارة أجرة، قبل أن ينكشف أمرها خلال مكالمة هاتفية بالإنجليزية مع جدتها، معتبرةً أن هذه الواقعة تعكس حجم الشكوك والصور النمطية المتبادلة.
وعلى الرغم من ذلك، ظلت متمسكة بهويتها اليهودية وتاريخها وثقافتها، رافضةً حصر اليهودية في إسرائيل أو سياسات حكومتها؛ إذ تدرك أن الاحتلال هو المشكلة الجوهرية، وتؤمن بأن انتقاد الاحتلال لا يتعارض مع الانتماء للديانة اليهودية، وهو ما نؤمن به نحن كعرب من أن النقد وسيلة للإصلاح وليس تنكراً للأصل.
وفي سياق حديثها، أشارت إلى الدور البارز للصحفيين الفلسطينيين وسكان غزة والكتاب والفنانين وصناع الأفلام في نقل المعاناة الفلسطينية إلى العالم. وأعربت في الختام عن تفاؤلها بتنامي التضامن الشعبي في أمريكا مع القضية الفلسطينية، مؤمنةً بأن التغيير يبدأ من المجتمعات والأفراد لا من الحكومات والمؤسسات السياسية، مؤكدةً استمرارها في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
لقد أبهرني أسلوب هذه الفتاة وإيمانها بالقضية الفلسطينية رغم ديانتها، ومحاولتها تصحيح الصورة النمطية عن اليهود من خلال التمييز بذكاء بين الصهيونية واليهودية، وقد لفتني حرصها على التحدث بالعربية رغم طلاقة لسانها بالإنجليزية، فكان هذا اللقاء الذي شاهدته ملهمًا لي تعلمت منه الكثير.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم