تكشف خريطة الأنشطة الدعوية والعلمية والتثقيفية لوزارة الأوقاف خلال الفترة من السبت 10 أكتوبر إلى الجمعة 16 أكتوبر 2026 عن حراك ميداني واسع يتجاوز حدود المنابر التقليدية، ليرسم ملامح استراتيجية متكاملة لبناء الوعي الديني، ورعاية النشء، وتعزيز القيم الأخلاقية، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية.
ويعكس هذا الحصاد الأسبوعي تنوعًا لافتًا في أدوات العمل الدعوي، بين الدروس المنهجية والمجالس الفقهية والعلمية، والقوافل الدعوية والإنسانية، والبرامج الموجهة للأطفال، والأنشطة الثقافية والصحية والتعليمية، في توجه يستهدف جعل المسجد مركزًا للإشعاع الفكري والتربوي، ومنصة فاعلة للتواصل مع قضايا المجتمع واحتياجاته.
ولا تتوقف أهمية هذه الجهود عند حجم الأنشطة المنفذة، وإنما تمتد إلى تنوع مجالاتها وتكامل أهدافها، بما يعكس توجهًا نحو بناء الإنسان معرفيًا وفكريًا وأخلاقيًا، وترسيخ خطاب ديني مستنير يجمع بين صحيح الدين ومتطلبات الواقع.
آلاف الدروس والمجالس.. منظومة علمية تتجاوز حدود المنبر
في قلب المشهد الدعوي، تبرز الدروس المنهجية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتطوير الأداء العلمي للأئمة وتعزيز قدراتهم الدعوية؛ إذ شهد الأسبوع تنفيذ 3292 درسًا منهجيًا في مختلف المديريات، بالتوازي مع تفعيل 2036 منبرًا ثابتًا، بما يدعم انتظام الأنشطة العلمية والدعوية وتوسيع نطاق الاستفادة منها.
وامتدت المنظومة إلى المجالس الفقهية والعلمية، حيث بلغ عدد المجالس الفقهية 628 مجلسًا في ست مديريات، إلى جانب 383 مجلسًا علميًا بالمديريات الإقليمية، باستثناء المديريات الحدودية الست، فضلًا عن تنظيم 625 ندوة علمية في ست مديريات.
وتكشف هذه الأرقام عن تعدد مسارات التوعية الدينية، بين تقديم الأحكام الشرعية، وتعميق المعرفة العلمية، وفتح المجال أمام مناقشة القضايا التي تمس حياة المواطنين، بما يسهم في تعزيز الفهم الصحيح للدين والحد من انتشار المفاهيم المغلوطة.
كما شهد الأسبوع تنظيم 81 أسبوعًا ثقافيًا بالمديريات الإقليمية، إلى جانب ندوة «عقيدتي» بالتعاون مع صحيفة الجمهورية، في امتداد لدور الأنشطة الثقافية في ربط المعرفة الدينية بقضايا الفكر والثقافة والمجتمع.
ويبرز هذا التنوع أهمية التكامل بين الدرس المنهجي والمجلس العلمي والندوة الثقافية؛ فبناء الوعي لا يتحقق بأداة واحدة، بل يحتاج إلى خطاب متعدد الوسائل، قادر على مخاطبة احتياجات الجمهور الفكرية والمعرفية، وتقديم محتوى ديني يتسم بالعمق والوضوح والارتباط بالواقع.
القوافل الدعوية والإنسانية.. حضور يتجاوز جدران المساجد
وفي موازاة النشاط العلمي داخل المساجد، امتدت جهود الوزارة إلى الميدان عبر قافلتين دعويتين مشتركتين مع الأزهر الشريف، إلى جانب قوافل دعوية بالمناطق المستهدفة في مديريات القاهرة والسويس وبورسعيد.
ويمثل هذا التحرك الميداني مسارًا مهمًا في توسيع نطاق التواصل المباشر مع المواطنين، والوصول إلى المناطق المستهدفة، وتقديم الرسالة الدعوية في إطار يجمع بين التوعية الدينية والاستجابة لاحتياجات المجتمع.
وتكتسب القوافل المشتركة بين وزارة الأوقاف والأزهر الشريف أهمية خاصة، باعتبارها نموذجًا للتعاون المؤسسي في نشر الفكر الوسطي، وتكامل الجهود العلمية والدعوية، وتعزيز حضور المؤسسات الدينية في معالجة القضايا الفكرية والمجتمعية.
ولم يقتصر الحضور الميداني على الجانب الدعوي، بل امتد إلى المجال الإنساني من خلال تنظيم 19 قافلة تحت عنوان «الرحمة والمواساة»، بالتعاون مع وزارتي الصحة والتضامن الاجتماعي، في تجسيد لدور العمل المشترك في دعم الفئات المستهدفة وتعزيز قيم الرحمة والتكافل والتراحم.
ويعكس هذا المسار اتساع مفهوم العمل الدعوي ليشمل جوانب الحياة المختلفة، حيث تتكامل الكلمة الطيبة مع الرعاية الإنسانية، ويتحول الخطاب الديني إلى ممارسة عملية تعزز المسؤولية الاجتماعية وتدعم التماسك المجتمعي.
الطفل والمسجد المحوري.. استثمار في وعي الأجيال الجديدة
يحظى بناء وعي النشء بمساحة واضحة ضمن خريطة الأنشطة الأسبوعية، من خلال البرنامج التثقيفي للطفل الذي استهدف 2088 مسجدًا، في توجه يركز على غرس القيم الأخلاقية والسلوكية، وتقديم المعرفة الدينية بأساليب تتناسب مع احتياجات الأطفال ومراحلهم العمرية.
وتنبع أهمية هذه البرامج من أن بناء الوعي يبدأ في سن مبكرة، حين تتشكل ملامح الشخصية وتتكون أنماط التفكير والسلوك؛ وهو ما يجعل الاستثمار في التثقيف الديني والأخلاقي للنشء أحد المسارات المهمة لترسيخ القيم الإيجابية وتعزيز الانتماء والمسؤولية.
وفي السياق ذاته، شهد 3392 مسجدًا مجالس لقراءة البردة الشريفة للإمام البوصيري، بما يعكس حضور التراث الإسلامي في الأنشطة الدينية والثقافية، ودوره في تعزيز الارتباط بالسيرة النبوية والقيم الروحية والأخلاقية.
كما امتدت أنشطة المساجد المحورية لتشمل 10900 مسجد، في إطار الاهتمام بتفعيل دور المساجد بوصفها مؤسسات دينية وتربوية تسهم في نشر الوعي، وتعزيز التواصل مع المجتمع، وتقديم أنشطة متنوعة تتجاوز أداء الشعائر إلى التعليم والتثقيف وبناء الشخصية.
وتؤكد هذه المسارات أن المسجد يظل أحد أهم ميادين العمل الدعوي والتربوي، بما يمتلكه من قدرة على التواصل المباشر مع المواطنين، واحتضان البرامج الموجهة إلى مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
شراكات مؤسسية.. بناء الإنسان مسؤولية مشتركة
ومن أبرز ملامح الحصاد الأسبوعي امتداد أنشطة الوزارة إلى مساحات واسعة من التعاون مع مؤسسات الدولة، بما يعزز التكامل بين العمل الديني والثقافي والتعليمي والصحي والشبابي.
ففي مجال الشباب، تضمن الحصاد تنظيم 1008 قوافل بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، بينما شهد التعاون مع وزارة الصحة عقد 2000 ندوة صحية، إلى جانب تنظيم 100 ندوة بقصور الثقافة بالتعاون مع وزارة الثقافة، و300 ندوة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.
وتعكس هذه الأرقام اتساع مجالات الشراكة، وتعدد القنوات التي يمكن من خلالها الوصول إلى المواطنين وتلبية احتياجاتهم المعرفية والتوعوية، فضلًا عن تعزيز التكامل بين المؤسسات في التعامل مع قضايا المجتمع.
وتكتسب هذه الشراكات أهمية إضافية في ظل الحاجة إلى تقديم خطاب توعوي شامل، لا يفصل بين القيم الدينية والسلوك الصحي، ولا يعزل الثقافة عن التربية، بل يربط بينها ضمن رؤية تستهدف بناء شخصية متوازنة وقادرة على التعامل الواعي مع تحديات الحياة.
كما يبرز التعاون مع المؤسسات التعليمية والثقافية والشبابية أهمية توحيد الجهود وتبادل الخبرات، بما يتيح توسيع نطاق الأنشطة وتحقيق استفادة أكبر من البرامج الموجهة إلى مختلف شرائح المجتمع.
من حصاد الأرقام إلى أثر مستدام في المجتمع
تقدم أنشطة وزارة الأوقاف خلال أسبوع واحد صورة متعددة الأبعاد للعمل الدعوي، تجمع بين التأهيل العلمي للأئمة، وتوسيع نطاق المجالس والندوات، والتحرك الميداني، ورعاية النشء، وتفعيل دور المساجد، وتعزيز الشراكات مع مؤسسات الدولة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحراك لا تقاس بالأعداد وحدها، بل بقدرته على إحداث أثر ملموس في وعي المواطنين وسلوكهم، ومدى استمرار الاستفادة من البرامج الدعوية والعلمية، وقدرتها على معالجة القضايا الفكرية والمجتمعية بصورة عملية.
ومن هنا، تبرز أهمية الربط بين كثافة الأنشطة وجودة مخرجاتها، وتطوير أدوات قياس أثرها، بما يضمن تحول الجهود الميدانية إلى نتائج مستدامة في بناء الوعي وترسيخ القيم الإيجابية.
وفي المحصلة، يعكس الحصاد الأسبوعي توجهًا نحو توسيع نطاق العمل الدعوي وتعدد أدواته، مع التأكيد على أن بناء الإنسان مسؤولية ممتدة تتطلب تكامل المعرفة الدينية مع التربية والثقافة والرعاية المجتمعية.
وهكذا، تتجاوز رسالة وزارة الأوقاف حدود النشاط الأسبوعي لتطرح نموذجًا للعمل الدعوي الذي يجعل من العلم والتوعية وخدمة المجتمع مسارات متكاملة، ويضع بناء الإنسان في صدارة الأولويات، انطلاقًا من أن الوعي المستنير هو أحد الأسس المهمة لتماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات.

موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم