كتبت: إسبرانس مراد
من اقتراح طاهر اللوزي في زمن الحرب العالمية الثانية إلى قانون ينظم تغيير الساعة.. كيف انتقلت الفكرة من تجربة تاريخية إلى إحدى أدوات الدولة لترشيد الطاقة؟
«قدم ساعتك 60 دقيقة».. لم تكن هذه العبارة التي تصدرت صفحات جريدة «الأهرام» في يوليو 1940 مجرد تنبيه للمواطنين بتغيير مواعيدهم، بل وثيقة تاريخية تختصر حكاية بدأت قبل 86 عامًا، حين قررت مصر خوض تجربة التوقيت الصيفي للمرة الأولى، في محاولة للاستفادة من ضوء النهار وتقليل استهلاك الإنارة والوقود. وبين تلك البداية وعودة النظام في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، مرت الساعة المصرية بمحطات من التطبيق والإلغاء والعودة، لتتحول من فكرة أثارت الجدل في أربعينيات القرن الماضي إلى نظام تحكمه تشريعات محددة، وترتبط أهدافه اليوم باعتبارات ترشيد الطاقة وإدارة الموارد.
وتعيد الصفحة التاريخية المنشورة في «الأهرام» يوم 14 يوليو 1940 فتح ملف لا يزال حاضرًا في الحياة اليومية للمصريين؛ إذ أعلنت الحكومة بدء العمل بالتوقيت الصيفي اعتبارًا من اليوم التالي، بتقديم الساعة ستين دقيقة، في عهد حكومة حسن صبري باشا. وجاءت التجربة في ظل الحرب العالمية الثانية، حين كانت الدول تبحث عن وسائل لتقليل استهلاك الموارد وتحقيق أكبر استفادة من ساعات الضوء الطبيعي، لتبدأ مصر رحلة طويلة مع تغيير التوقيت، لم تكن عقارب الساعة خلالها وحدها هي التي تتحرك، بل تغيرت أيضًا حسابات الاقتصاد والطاقة وتنظيم الحياة اليومية.
طاهر اللوزي.. اقتراح بدأ من ملاحظة حياة المصريين
وراء التجربة المصرية الأولى يقف النائب طاهر اللوزي، الذي طرح فكرة تطبيق ما عُرف آنذاك باسم «ساعة الصيف»، مستندًا إلى ما اطلع عليه من تجارب أوروبية خلال جولاته الخارجية، وإلى ملاحظاته بشأن طبيعة العمل في مصر خلال أشهر الصيف.
فقد لاحظ اللوزي أن المزارعين يبدأون أعمالهم في ساعات الصباح المبكرة، مستفيدين من اعتدال الجو وضوء النهار، ثم ينهون جانبًا من نشاطهم قبل اشتداد الحرارة. ومن هنا رأى أن تقديم الساعة يمكن أن يسهم في تنظيم ساعات العمل والاستفادة من الضوء الطبيعي، مع تقليل الحاجة إلى الإنارة الصناعية والوقود.
لم يكن الاقتراح، إذن، مجرد استنساخ لتجربة خارجية، بل محاولة لربط نظام التوقيت بواقع المجتمع المصري، وأنماط العمل والإنتاج فيه. وبعد تبني الحكومة للفكرة، دخلت حيز التنفيذ بصورة تجريبية في يوليو 1940، لتبدأ أولى محاولات إعادة تنظيم الوقت رسميًا في مصر وفق نظام التوقيت الصيفي.
يوليو 1940.. حين دخلت الساعة الجديدة إلى البيوت والمصالح الحكومية
في عددها الصادر يوم 14 يوليو 1940، نشرت «الأهرام» تنبيهًا للمواطنين بتقديم ساعاتهم ستين دقيقة، وشرحت أن تغيير التوقيت لن يستلزم تغيير المواعيد الرسمية المقررة، وإنما ستُحسب هذه المواعيد وفق الساعة الجديدة.
وضربت الصحيفة مثالًا بمواعيد الموظفين الحكوميين وقطارات السكك الحديدية، مؤكدة استمرار العمل بالجداول المعلنة وفق التوقيت الجديد، كما أشارت إلى استمرار إطلاق مدفع الظهر عند الثانية عشرة بحسب الساعة المعدلة. وكانت الرسالة واضحة: المطلوب تغيير الساعة الرسمية، لا إعادة ترتيب المؤسسات من البداية.
لكن الانتقال إلى النظام الجديد لم يخلُ من الارتباك؛ فقد احتاج المواطنون إلى التكيف مع مواعيد مختلفة عما اعتادوه، وظهرت مخاوف من فوات القطارات أو الخلط بين التوقيتين القديم والجديد. كما أثارت الفكرة تساؤلات حول مدى توافقها مع العادات الاجتماعية، خاصة لدى من اعتادوا السهر حتى ساعات متأخرة من الليل.
وسجلت الصحافة تلك الملاحظات، مشيرة إلى أن بعض الصعوبات ارتبط باستمرار المواطنين في اتباع عاداتهم القديمة رغم تغيير الساعة الرسمية. وانتهت التجربة الأولى في 30 سبتمبر 1940، لكنها تركت وراءها نقاشًا مبكرًا حول العلاقة بين تنظيم الوقت والعادات اليومية، ومدى قدرة الإجراءات الحكومية على إحداث تغيير في سلوك المجتمع.
من العالم إلى مصر.. كيف تحولت الفكرة إلى نظام دولي؟
لم تكن مصر صاحبة الفكرة الأولى عالميًا؛ فقد سبقت تطبيق التوقيت الصيفي نقاشات بشأن الاستفادة من ضوء الشمس وتقليل الاعتماد على الإضاءة الصناعية. ففي عام 1784، تناول بنجامين فرانكلين، خلال وجوده في باريس، أفكارًا تتعلق بالاستفادة من ضوء النهار، وإن لم يطرح نظام تغيير الساعات بصورته الحديثة.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، قدم النيوزيلندي جورج هدسون تصورًا لتغيير التوقيت موسميًا، ثم دعا البريطاني ويليام ويليت في مطلع القرن العشرين إلى تقديم الساعات خلال أشهر معينة للاستفادة من امتداد النهار. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، طبقت ألمانيا والنمسا التوقيت الصيفي عام 1916، في إطار جهود ترشيد استهلاك الطاقة.
وانتشرت التجربة لاحقًا في عدد من الدول، خصوصًا خلال فترات الأزمات والحروب، قبل أن تتباين السياسات بشأنها وفق الظروف الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية لكل دولة. وبذلك تحولت الفكرة من محاولة للاستفادة من الضوء الطبيعي إلى سياسة عامة تعتمدها بعض الحكومات، بينما تتخلى عنها أخرى عندما ترى أن تكلفتها أو نتائجها لا تتناسب مع أهدافها.
عقود من التقديم والتأخير.. لماذا لم يستقر النظام في مصر؟
منذ تطبيقه للمرة الأولى عام 1940، لم يسلك التوقيت الصيفي في مصر مسارًا ثابتًا؛ فقد شهد فترات متعاقبة من التطبيق والإلغاء والعودة، وفقًا للقرارات الحكومية والظروف التي أحاطت بكل مرحلة.
وظل الهدف الأساسي للنظام مرتبطًا بالاستفادة من ساعات النهار وتقليل الحاجة إلى الإنارة، لكن تغير الأولويات الاقتصادية والإدارية أدى إلى مراجعة تطبيقه أكثر من مرة. وفي عام 2015، ألغت مصر التوقيت الصيفي، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة مجددًا مع تزايد الاهتمام بترشيد استهلاك الطاقة.
ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش مقتصرًا على تحريك عقارب الساعة، بل امتد إلى تقييم جدوى النظام في ظل تغير أنماط الاستهلاك، وانتشار أجهزة التبريد، واختلاف مواعيد العمل، وتزايد احتياجات الاقتصاد إلى الكهرباء. وأصبحت العودة إلى التوقيت الصيفي مرتبطة بسؤال أوسع: هل يمكن لتعديل التوقيت الرسمي أن يسهم في تخفيف الطلب على الطاقة، وما حجم هذا الأثر مقارنة بتكاليف التكيف مع النظام؟
الرئيس السيسي والقانون رقم 24 لسنة 2023.. عودة التوقيت الصيفي بقوة التشريع
في عام 2023، عادت مصر إلى تطبيق التوقيت الصيفي بعد توقف استمر عدة سنوات، ضمن توجه الدولة إلى ترشيد استهلاك الطاقة وتحسين الاستفادة من مواردها. وبدأت الإجراءات بموافقة مجلس الوزراء على مشروع القانون في مارس، ثم إقراره من مجلس النواب، قبل أن يصدق الرئيس عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 24 لسنة 2023 في 16 أبريل من العام نفسه.
ومثلت هذه الخطوة انتقالًا من قرارات متغيرة بشأن تقديم الساعة وتأخيرها إلى نظام ينظمه قانون واضح، يحدد فترة التطبيق سنويًا. ونص القانون على تقديم الساعة القانونية بمقدار ستين دقيقة اعتبارًا من الجمعة الأخيرة من أبريل حتى نهاية الخميس الأخير من أكتوبر من كل عام ميلادي.
وجاءت العودة في سياق اهتمام الدولة بترشيد استخدام الكهرباء والوقود، والاستفادة من امتداد الضوء الطبيعي خلال ساعات المساء. ولم يكن القرار مجرد استعادة لتجربة تاريخية، بل جزءًا من توجه أوسع للتعامل مع احتياجات الطاقة وتكاليف توفيرها، في ظل المتغيرات الاقتصادية وارتفاع الطلب على الكهرباء خلال فترات معينة من العام.
ويمنح الإطار القانوني النظام قدرًا من الوضوح والاستقرار؛ إذ يعرف المواطنون والمؤسسات مسبقًا موعد تقديم الساعة وتأخيرها، بما يساعد على تنظيم مواعيد العمل والخدمات والمواصلات، ويحد من حالة عدم اليقين التي قد تصاحب القرارات المتغيرة من عام إلى آخر.
من تغيير الساعة إلى ترشيد الطاقة.. ما الذي تستهدفه الدولة؟
تقوم فكرة التوقيت الصيفي على تقديم الساعة الرسمية ساعة واحدة، بحيث تتوافق مواعيد الأنشطة اليومية بصورة أكبر مع ساعات الضوء الطبيعي في المساء. والهدف هو تقليل الحاجة إلى تشغيل الإضاءة الكهربائية في بعض الفترات، بما قد يسهم في خفض جزء من استهلاك الطاقة.
لكن حسابات الاستهلاك أكثر تعقيدًا من مجرد تقديم الساعة؛ فمعدلات استخدام الكهرباء تتأثر بدرجات الحرارة، ومواعيد العمل، وطبيعة النشاط الاقتصادي، واستخدام أجهزة التبريد داخل المنازل والمنشآت. وقد يؤدي انخفاض استهلاك الإضاءة في فترة معينة إلى تغير الاستهلاك في فترات أخرى، وفقًا لمواعيد وجود الأفراد في المنازل وطبيعة أنشطتهم.
ومن هنا، لا يمكن اعتبار تغيير الساعة ضمانًا تلقائيًا لتحقيق وفر محدد، بل ينبغي تقييم نتائجه استنادًا إلى بيانات فعلية تقارن الاستهلاك قبل التطبيق وبعده، مع مراعاة اختلاف الظروف الجوية ومستويات النشاط. ويتيح هذا التقييم تحديد حجم مساهمة التوقيت الصيفي في ترشيد الطاقة، ومدى جدوى الاستمرار فيه ضمن سياسات الدولة الاقتصادية.
وتظل مسؤولية الحكومة قائمة في متابعة نتائج التطبيق، وتوضيح أثره على الاستهلاك، وربط الأهداف المعلنة بمؤشرات قابلة للقياس. فنجاح أي إجراء اقتصادي لا يتوقف على الفكرة التي يقوم عليها، وإنما على النتائج التي يحققها على أرض الواقع.
2026.. الساعة تعود إلى التوقيت الشتوي
في عام 2026، استمر تطبيق التوقيت الصيفي وفقًا للقانون رقم 24 لسنة 2023؛ إذ قُدمت الساعة ستين دقيقة اعتبارًا من الجمعة 24 أبريل، ثم انتهى العمل بالتوقيت الصيفي مع نهاية يوم الخميس 29 أكتوبر، لتُؤخر الساعة ستين دقيقة عند منتصف الليل، ويبدأ التوقيت الشتوي يوم الجمعة 30 أكتوبر.
وتعيد هذه الخطوة دورة التوقيت إلى مسارها المعتاد، بعد ستة أشهر من تقديم الساعة، وفق المواعيد التي حددها القانون. ومع الانتقال إلى التوقيت الشتوي، تعود الساعة الرسمية إلى وضعها السابق، بينما تستمر المؤسسات والمصالح الحكومية ووسائل النقل في العمل وفق المواعيد المحددة بالتوقيت الجديد.
ويفرض هذا الانتقال ضرورة الانتباه إلى المواعيد والرحلات والأنظمة الإلكترونية التي قد لا تضبط الوقت تلقائيًا، كما يبرز أهمية وضوح التعليمات الحكومية لضمان انتظام الخدمات وتجنب الالتباس في يوم تغيير الساعة.
هل تستحق الساعة الإضافية كل هذا الجدل؟
على مدار عقود، ظل التوقيت الصيفي محل نقاش بين من يراه وسيلة للاستفادة من ضوء النهار وترشيد الكهرباء، ومن يتساءل عن حجم الوفر الحقيقي الذي يحققه، في ظل تغير أنماط الحياة والاستهلاك.
وتكمن أهمية هذا النقاش في ضرورة الفصل بين الهدف من القرار والنتيجة الفعلية لتطبيقه. فإطالة ساعات الضوء المسائية وفق الساعة الرسمية قد تقلل الحاجة إلى الإنارة في بعض الأوقات، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات حجم الوفر الاقتصادي. ويظل الحكم الدقيق مرتبطًا ببيانات الاستهلاك، وتكاليف الطاقة، ومدى تأثر القطاعات المختلفة بالتغيير.
كما أن تقييم النظام يجب أن يأخذ في الاعتبار تأثيره على مواعيد العمل والنوم والدراسة والمواصلات، ومدى سهولة تكيف المواطنين والمؤسسات معه. فالتوقيت الصيفي ليس قرارًا تقنيًا يتعلق بالأرقام فقط، بل إجراء يمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين، ويتطلب موازنة بين الأهداف الاقتصادية والآثار العملية.
من أرشيف الأهرام إلى سياسة الدولة.. حكاية لم تنتهِ
من اقتراح طاهر اللوزي في عام 1940 إلى عودة التوقيت الصيفي بقانون في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، قطعت مصر رحلة طويلة مع تغيير الساعة، تعاقبت خلالها التجارب والقرارات، بينما ظل الهدف المعلن يدور حول الاستفادة من ضوء النهار وترشيد استهلاك الطاقة.
لكن الفارق بين التجربة الأولى والنظام الحالي لا يكمن في تحريك العقارب ستين دقيقة فحسب، بل في الإطار القانوني الذي ينظم التطبيق اليوم، وفي ارتباط القرار بسياسات أوسع لإدارة موارد الطاقة. وبينما قدمت صفحة «الأهرام» القديمة صورة حية عن البدايات وما صاحبها من أسئلة ومخاوف، تفرض الظروف الراهنة ضرورة تقييم النتائج على أساس علمي واقتصادي واضح.
فمنذ أن دعت «الأهرام» قراءها إلى تقديم ساعاتهم عام 1940، بقي السؤال أكبر من مجرد تغيير التوقيت: كيف تتحول ساعة إضافية من ضوء النهار إلى فائدة حقيقية للاقتصاد؟ والإجابة اليوم لا تصنعها عقارب الساعة وحدها، بل تحسمها نتائج التطبيق وقدرته على تحقيق وفر فعلي في الطاقة.

موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم