نتنياهو ليس “المُخَلِّص” واليمين بلا وريث.. خبير يكشف مفارقات انتخابات إسرائيل

تقرير: سمر صفي الدين

فرضت نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي واقعًا سياسيًا معقدًا، بعدما أخفق معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تحقيق الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة الجديدة، رغم تصدره توزيع المقاعد وفق النتائج النهائية للانتخابات.

وأظهرت النتائج الرسمية، صباح اليوم الجمعة، حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، بينما حققت الأحزاب العربية قفزة تاريخية بحصولها على 19 مقعدًا، لتصبح الكتلة الأكثر تأثيرًا في حسابات تشكيل الائتلاف الحكومي.

كما كشفت هذه الأرقام عن تراجع واضح في قوة الائتلاف اليميني، الذي كان يمتلك 68 مقعدًا في الكنيست السابق، قبل أن يفقد 15 مقعدًا في الانتخابات الأخيرة، دون أن يتمكن المعسكر المنافس من تحويل تقدمه إلى أغلبية مستقلة.

وفي قراءة لهذه النتائج، حذر الباحث الفلسطيني من حيفا أمير مخول، الباحث في مركز تقدم والخبير في الشؤون الإسرائيلية، من أن إسرائيل دخلت مرحلة سياسية مفتوحة على سيناريوهات متعارضة، تتجاوز مجرد التنافس على رئاسة الحكومة.

واعتبر مخول، في تصريحات خاصة لـ”اليوم”، أن التصويت العربي مثّل العامل الأكثر تأثيرًا في تغيير موازين الانتخابات، بعدما منع نتنياهو من تحقيق الأغلبية، وفتح أمام آيزنكوت فرصة المنافسة على تشكيل حكومة بديلة.

وأشار إلى أن المشهد الإسرائيلي يجمع بين اتجاه مجتمعي متزايد نحو اليمين، وتصدعات سياسية داخل معسكره، بالتزامن مع صعود غير مسبوق للأحزاب العربية، بما يضع مستقبل الحكومة المقبلة أمام اختبارات صعبة.

اقرأ أيضًا:: رسميًا.. خريطة مقاعد الكنيست بعد انتهاء فرز الأصوات

الصوت العربي يقلب المعادلة

على ضوء ما سبق، رأى مخول أن نتنياهو يحاول توظيف تصدر معسكره للنتائج باعتباره امتلاكًا للأغلبية اليهودية، في مقابل تصوير الأحزاب العربية باعتبارها الطرف الذي حال دون وصوله إلى رئاسة الحكومة مجددًا.

وأوضح أن هذه الرواية تعكس مخاوف نتنياهو من الدور الذي أداه الناخبون العرب، بعدما ساهمت مشاركتهم الواسعة في منع بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة من تجاوز نسبة الحسم الانتخابية.

وأضاف أن آيزنكوت ظل قادرًا على منافسة نتنياهو وتشكيل حكومة بديلة بفضل الأصوات العربية، معتبرًا أن هذه الأصوات لم تكن مجرد إضافة انتخابية، وإنما عاملاً حاسمًا في إعادة ترتيب المشهد السياسي.

كما لفت إلى أن الأحزاب العربية حققت قفزة كبيرة مقارنة بانتخابات 2022، التي حصلت خلالها على نحو تسعة أو عشرة مقاعد، قبل أن يرتفع تمثيلها إلى 19 مقعدًا في الانتخابات الأخيرة.

وفسر مخول هذه النتيجة باعتبارها تعبيرًا عن قرار جماعي لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل، الذين رأوا في الانتخابات معركة تتعلق بوجودهم وأمنهم وكرامتهم الإنسانية، وليس مجرد منافسة بين الأحزاب.

وأشار إلى أن المشاركة شملت فئات عمرية مختلفة، من الشباب الذين بلغوا الثامنة عشرة إلى كبار السن، مؤكدًا أن دوافع التصويت تجاوزت الحملات الحزبية التقليدية.

فيما اعتبر أن تصاعد الجريمة وفقدان الأمن الشخصي، إلى جانب مشاهد الحرب في غزة والضفة الغربية، عززت لدى الناخب العربي الشعور بضرورة استخدام صوته لمواجهة التحالف اليميني.

وأكد أن هذه المشاركة مثلت، وفق تقديره، محاولة لاستعادة الحضور السياسي والشرعية الشعبية، دون انتظار اعتراف من نتنياهو أو آيزنكوت أو بقية القوى السياسية الإسرائيلية.

المجتمع الإسرائيلي يميل يمينًا

في تفسيره للتناقض بين صعود اليمين وتراجع مقاعد معسكر نتنياهو، قال مخول إن المجتمع الإسرائيلي اتجه بعد السابع من أكتوبر نحو مزيد من التشدد اليميني، وهو ما ظهر في المواقف السياسية والاجتماعية والإعلامية.

وأوضح أن هذا التحول لم يقتصر على الموقف من العرب أو إقامة الدولة الفلسطينية، بل امتد إلى الخطاب المتداول داخل المجتمع، بما شمل استخدام مفاهيم إقصائية تجاه الفلسطينيين والتشكيك في وجودهم.

واستدرك أن هذا الميل اليميني لم يمنح نتنياهو تفويضًا سياسيًا مطلقًا، إذ أظهرت النتائج وجود قطاعات داخل اليمين غير راضية عن أدائه، وتحمله مسؤولية الإخفاقات الأمنية والسياسية.

وأشار إلى أن بعض الناخبين اليمينيين اتجهوا نحو أحزاب تطالب بفرض الخدمة العسكرية على الفئات المعفاة منها، اعتراضًا على ما اعتبروه غيابًا للعدالة في توزيع الأعباء.

وفي المقابل، تحدث مخول عن مؤشرات صحوة داخل قطاعات إسرائيلية أخرى، ظهرت من خلال التصويت لحزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان، إلى جانب زيادة الأصوات المتجهة إلى القائمة المشتركة.

وربط هذه التحولات بوجود حالة من القلق داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن الأمن القومي، رغم استمرار تجاهل قطاعات واسعة منه لمعاناة الفلسطينيين والانتهاكات التي يتعرضون لها في غزة والضفة الغربية.

واستشهد بتصريحات آيزنكوت بشأن ما وصفه بإرهاب المستوطنين، معتبرًا أن بعض القيادات العسكرية والسياسية السابقة بدأت تنظر إلى اعتداءات المستوطنين باعتبارها تهديدًا يتجاوز الأراضي الفلسطينية إلى الأمن الإسرائيلي نفسه.

غياب مُخلّص إسرائيل

على مستوى الأحزاب، لفت مخول إلى أن نتائج الانتخابات كشفت تراجعًا في قوة بعض أبرز مكونات اليمين المتطرف، رغم استمرار هيمنة التوجهات اليمينية على قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي.

وأوضح أن حزب إيتمار بن غفير، الذي كانت التوقعات تشير إلى إمكانية حصوله على 12 مقعدًا أو أكثر، انتهى إلى 7 مقاعد فقط، بما مثل انتكاسة لطموحاته السياسية.

كما أضاف أن حزب بتسلئيل سموتريتش تراجع أيضًا، بعدما أصبح من الأحزاب الأصغر داخل الكنيست، بينما حصل حزب شاس بقيادة أرييه درعي على ستة مقاعد فقط.

واعتبر أن هذه النتائج كشفت غياب شخصية أو قيادة متفق عليها داخل اليمين باعتبارها المخلص القادر على قيادة إسرائيل، بعدما تراجعت فرص بن غفير الذي كان يطمح إلى منافسة نتنياهو مستقبلًا.

وفي المقابل، أشار إلى أن تراجع الائتلاف الحالي من 68 إلى 53 مقعدًا يعكس وجود قاعدة سياسية إسرائيلية لم تعد ترى أن استمرار النهج الحكومي الحالي سيقود البلاد إلى الاستقرار.

وربط ذلك بمخاوف إسرائيلية من الدخول في مواجهة عسكرية جديدة مع إيران، بسبب تكلفتها المحتملة وتأثيرها على الجبهة الداخلية وتعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وشدد على أن قطاعات من المجتمع الإسرائيلي لا تثق بقدرة نتنياهو على توفير الأمن، رغم استمرار الميل نحو اليمين وغياب أفق سياسي واضح تجاه الفلسطينيين.

كما أضاف أن الصراع المقبل لن يقتصر على تشكيل الحكومة، وإنما سيمتد إلى الرواية الإسرائيلية بشأن الحرب والمسؤولية عن الإخفاقات الأمنية ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.

حكومة الأقلية أم الوحدة؟

عن فرص تشكيل الحكومة، أوضح مخول أن نتنياهو لا يمتلك أغلبية مستقلة، كما أن آيزنكوت يحتاج بدوره إلى تفاهمات سياسية مع أطراف أخرى للوصول إلى 61 مقعدًا، الحد الأدنى المطلوب لتشكيل حكومة.

وأشار إلى أن التحالفات السياسية الإسرائيلية لا تخضع دائمًا للثوابت المعلنة خلال الحملات الانتخابية، مستشهدًا بتجارب سابقة شهدت تعاون شخصيات يمينية مع منصور عباس والقائمة العربية الموحدة.

واستبعد مخول في الوقت الراهن تعاون نتنياهو مع الأحزاب العربية، لكنه اعتبر أن موقفه قد يتغير إذا وجد في ذلك ضمانة سياسية لإنقاذ مستقبله الحكومي.

كما أوضح أن نتنياهو يحاول استقطاب أطراف من معسكر المعارضة، بينما يسعى معسكر آيزنكوت إلى جذب أعضاء من الائتلاف الحالي، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات الانشقاق وإعادة تشكيل التحالفات.

ولفت إلى أن موقف الأحزاب الحريدية قد يمثل أحد العوامل المؤثرة في المفاوضات، مشيرًا إلى تلويح حزب يهدوت هتوراه بإمكانية دعم حكومة آيزنكوت من الخارج، بما قد يثير خلافات داخل معسكر المعارضة.

واعتبر أن هذا الاحتمال قد يضع آيزنكوت أمام اختبار صعب، خصوصًا مع تحفظ بعض أطراف معسكر التغيير على التعاون مع الأحزاب العربية، رغم أن دعمها قد يمنحه الأغلبية البرلمانية.

وطرح مخول إمكانية تشكيل حكومة أقلية تعتمد على شبكة أمان برلمانية توفرها القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، إلى جانب دعم محتمل من حزب حريدي، باعتبارها أحد المسارات المطروحة أمام آيزنكوت.

وفي المقابل، حذر من أن الاتجاه نحو حكومة وحدة قومية بقيادة نتنياهو أو الموافقة على انتخابات جديدة قد يمثل “انتحار سياسي” لآيزنكوت، الذي خاض الانتخابات على أساس تغيير الحكومة الحالية.

ضغوط ترامب والسيناريوهات

على المستوى الدولي، تحدث مخول عن ضغوط أمريكية محتملة باتجاه تشكيل حكومة وحدة قومية صهيونية، معتبرًا أن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يؤثر في مسار التفاهمات السياسية داخل إسرائيل.

وأشار إلى أن هذه الضغوط قد تتزامن مع احتمالات تصعيد الأجواء مع إيران، بما ينعكس على الحسابات الداخلية لنتنياهو، لكنه استبعد اعتبار الحرب خيارًا مضمون النتائج أو قرارًا إسرائيليًا منفردًا.

وأكد أن أي مواجهة عسكرية مع إيران قد تحمل تداعيات يصعب التحكم فيها، ولا يمكن ضمان توظيفها لمصلحة نتنياهو أو ترامب، خصوصًا في ظل مخاوف المجتمع الإسرائيلي من تكلفتها الأمنية والاقتصادية.

وفي سياق متصل، رأى مخول أن اتهامات نتنياهو للأحزاب العربية بالتدخل في الانتخابات وتلقي أموال خارجية، ارتدت عليه سياسيًا، بعدما أدركت المعارضة أن هذه الاتهامات تستهدف أيضًا قدرتها على تشكيل الحكومة.

واعتبر أن توظيف جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي في هذه الاتهامات يمثل جزءًا من محاولات نتنياهو التأثير على فرص خصومه، خاصة أن تشكيل حكومة بديلة قد يتطلب الاستعانة بالأحزاب العربية.

وحذر الباحث الفلسطيني من أن الصراع على السلطة قد يشهد تطورات أكثر خطورة، إذا شعر نتنياهو بأن خسارة الحكم أصبحت وشيكة، مشيرًا إلى احتمالات تعطيل انتقال السلطة أو عرقلة تسليمها.

ولم يستبعد مخول تكرار سيناريوهات مشابهة لاقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي في يناير 2021، عندما حاول أنصار دونالد ترامب تعطيل التصديق على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية.

وربط هذا الاحتمال بطبيعة اليمين الإسرائيلي، الذي وصفه بأنه مستعد لاستخدام وسائل متشددة للحفاظ على السلطة، معتبراً أن نتنياهو يتعامل مع نفسه باعتباره فوق القانون وليس خاضعًا له.

مستقبل الحكم الإسرائيلي

تكشف قراءة مخول أن الانتخابات لم تنهِ الصراع السياسي داخل إسرائيل، وإنما نقلته إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما أفرزت برلمانًا لا يمتلك فيه أي معسكر أغلبية مستقلة تسمح له بتشكيل الحكومة منفردًا.

وبين تراجع مقاعد نتنياهو وصعود الأحزاب العربية، يجد آيزنكوت نفسه أمام فرصة سياسية لا تخلو من التحديات، خصوصًا أن الوصول إلى الحكم يتطلب تفاهمات مع أطراف متباينة المواقف.

وفي الوقت نفسه، تعكس النتائج مفارقة إسرائيلية بين مجتمع يتجه نحو اليمين، وائتلاف يميني فقد جزءًا مهمًا من قوته البرلمانية، دون أن يظهر بديل سياسي قادر على حسم المشهد.

وبحسب مخول، فإن التصويت العربي أثبت قدرته على التأثير في مستقبل الحكم، لكنه وضع القوى الإسرائيلية أمام اختبار حقيقي بشأن استعدادها للاعتراف بهذا الدور والتعامل معه سياسيًا.

وتظل السيناريوهات مفتوحة بين حكومة أقلية مدعومة عربيًا، أو حكومة وحدة قومية، أو إعادة الانتخابات، بينما يبقى التحدي الأكبر متعلقًا بقدرة المؤسسات الإسرائيلية على إدارة انتقال السلطة دون تصعيد داخلي.

وتؤكد النتائج النهائية أن توزيع المقاعد أبقى معسكر نتنياهو عند 53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت و19 للأحزاب العربية، دون امتلاك أي معسكر أغلبية منفردة.

اترك رد