مجمع البحوث الإسلامية: الأمن السيبراني ضرورة شرعية لحماية المجتمعات وصون مقدرات الدول

 

شارك الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، نيابة عن الأمين العام للمجمع الأستاذ الدكتور محمد الجندي، في فعاليات المؤتمر العلمي الدولي السنوي السابع لكلية الشريعة والقانون بدمنهور، والذي عُقد بالتعاون مع كليتي الشريعة والقانون بطنطا وتفهنا الأشراف، تحت عنوان «الأمن السيبراني وأهميته في حماية المجتمعات»، في إطار الاهتمام بمناقشة التحديات التكنولوجية المعاصرة وانعكاساتها على أمن المجتمعات واستقرار الدول.

وشهد المؤتمر حضور عدد من القيادات الدينية والأكاديمية والتنفيذية والعسكرية، في مقدمتهم الدكتور رمضان الصاوي، نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه البحري، والدكتور محمد المغازي، عميد كلية الشريعة والقانون بدمنهور، والدكتور طاهر السيسي، عميد كلية الشريعة والقانون بطنطا، والدكتور حمدي مصطفى، عميد كلية الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف، والدكتور أحمد الشرقاوي، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية، والدكتور محمد عبد المالك، نائب رئيس جامعة الأزهر السابق، والدكتور محمد رجب، ممثلًا عن وزير الأوقاف، والعميد أركان حرب حسام شبل، المستشار العسكري لمحافظة البحيرة، إلى جانب نخبة من القيادات الأكاديمية وأساتذة الجامعة

وأكد الدكتور محمود الهواري، خلال كلمته نيابة عن الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن الأمن يُعد من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، وأحد أهم الأسس التي تقوم عليها استقامة حياة الأفراد واستقرار المجتمعات، فضلًا عن كونه الركيزة الرئيسية التي تُبنى عليها حضارات الأمم والشعوب.

واستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا»، موضحًا أن الحديث النبوي الشريف يعكس المكانة الكبيرة التي يحتلها الأمن في حياة الإنسان، باعتباره أساسًا لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار والطمأنينة وممارسة شؤون الحياة.

وأوضح أن مفهوم الأمن لا يقتصر على حماية الحدود أو مواجهة المخاطر الخارجية، بل يبدأ من أمن القلب والنفس، ويمتد إلى الأسرة والبيت والمجتمع، وصولًا إلى أمن الأمة بأكملها، وهو ما يفرض ضرورة التعامل مع التحديات الجديدة التي فرضها التطور التكنولوجي والتحول الرقمي المتسارع.

وأشار الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني إلى أن التطور التكنولوجي المتلاحق أحدث تحولًا كبيرًا في طبيعة الصراعات بين الدول، حيث انتقل جانب مهم منها من العالم المادي إلى الفضاء الافتراضي، وأصبح الأمن السيبراني أحد أبرز مجالات الأمن القومي في العصر الحديث، في ظل ما تتيحه التكنولوجيا من إمكانات للتأثير في المجتمعات واختراق خصوصيتها وتهديد استقرارها.

ولفت إلى أن المخاطر الرقمية لم تعد تقتصر على الاختراقات التقنية وسرقة البيانات، وإنما امتدت إلى محاولات بث الشكوك ونشر الفتاوى الشاذة والمضللة، والترويج للأفكار المنحرفة، والطعن في الثوابت الدينية وتشويه الرموز والمؤسسات، بما يجعل الفضاء الإلكتروني مجالًا مفتوحًا أمام تهديدات فكرية وأخلاقية وأمنية متشابكة.

وأضاف أن هذه التهديدات تشمل أيضًا التجسس وانتهاك الخصوصية واختراق الحسابات الشخصية وسرقة الأموال والمعلومات، فضلًا عن استهداف شبكات الاتصالات والبنية التحتية، وتسريب المعلومات الحساسة للدول، وهو ما يكشف خطورة الاعتماد غير الآمن على التكنولوجيا دون امتلاك أدوات الحماية والقدرة على مواجهة الهجمات الإلكترونية.

وأوضح الهواري أن خطورة التهديدات السيبرانية تتجاوز الأضرار التقنية المباشرة، لتصل إلى المساس بالمقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، والمتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لصيانتها وحمايتها، مؤكدًا أن الاعتداء على البيانات والمعلومات والأموال والخصوصية، أو استغلال التكنولوجيا في نشر الانحراف والتضليل، يمثل تهديدًا مباشرًا لهذه المقاصد.

وشدد على أن الأمن السيبراني لم يعد مجرد قضية فنية أو تخصص تقني، بل أصبح ضرورة شرعية ومطلبًا حضاريًا تتلاقى فيه مقاصد الشريعة الإسلامية مع أحكام الفقه والقوانين المعاصرة، بما يستوجب إخضاع التعامل مع التكنولوجيا لمنظومة متكاملة من الضوابط الشرعية والقيم الأخلاقية والتشريعات القانونية.

وأكد أن حماية الحقوق الرقمية ومكافحة الغش والاعتداء على خصوصيات الأفراد وتجريم الاستيلاء على أموال المواطنين ومقدرات الشعوب بغير حق، تمثل جميعها مسؤوليات لا يمكن فصلها عن مبادئ الشريعة الإسلامية التي تقوم على العدل وصيانة الحقوق ومنع الضرر.

وفي محور آخر، أكد الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني أن التحدي الحقيقي لا يتوقف عند مناقشة أهمية الأمن السيبراني أو وضع الأطر الشرعية والقانونية المنظمة له، وإنما يمتد إلى ضرورة تحديد موقع الأمة بين الأمم في مجال التكنولوجيا، والعمل على امتلاك أدواتها والمشاركة الفعلية في تطويرها وإدارتها، بدلًا من الاكتفاء بدور المستهلك أو ترك المجال للآخرين للتحكم في تفاصيل الحياة من خلالها.

وأوضح أن بناء القوة العلمية والتكنولوجية أصبح ضرورة لحماية استقلال الدول وصون مقدراتها، مشيرًا إلى أن طلب العلم في الإسلام لا يقتصر على العلوم الشرعية وحدها، بل يشمل مختلف العلوم والمعارف التي تحتاج إليها الأمة في بناء قوتها وتحقيق مصالحها ومواجهة التحديات.

واستشهد بقوله تعالى: «وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون»، موضحًا أن الاهتمام بالتفقه في الدين لا ينبغي أن يُفهم بمعزل عن علوم الحياة ومتطلباتها، وأن بناء المجتمع القوي يتطلب تكامل التخصصات الشرعية والعلمية والتكنولوجية.

وشدد الهواري على أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات التعليمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، في إعداد كوادر علمية قادرة على التعامل مع متطلبات العصر، مؤكدًا ضرورة الاهتمام بإعداد علماء الشريعة واللغة، بالتوازي مع إعداد المتخصصين في مجالات التصميم والبرمجة والتكنولوجيا والأمن السيبراني، والخبراء القادرين على تأمين الفضاء الرقمي وتطوير تطبيقاته ومنصاته.

وأشار إلى أن هذا التوجه يستند إلى القاعدة الفقهية «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، موضحًا أن حماية المجتمعات ومقدراتها في العصر الرقمي أصبحت واجبًا تفرضه طبيعة التحديات الراهنة، ومن ثم فإن امتلاك المعرفة والأدوات التكنولوجية اللازمة لتحقيق هذه الحماية يدخل ضمن المسؤوليات التي ينبغي أن تتبناها المؤسسات التعليمية والعلمية.

 

اترك رد