أبو العينين شعيشع.. صوت مصر الذهبي وأول سفير للتلاوة في العالم

تضم مدرسة التلاوة المصرية العديد من الأسماء البارزة التي تعدت شهرتها حاجز الزمان والمكان أصوات من الجنَّة تشدو على الأرض، يمتازون بحلاوة الصوت ووضوح المخارج والتمكن من الأحكام والضوابط .
مصر هي مهد التلاوة، وغالبية مشاهير القراء مصريون علموا العالم الإسلامى أصول و«فن» التلاوة بأصوات عبقرية متفردة، وأرسى العديد منهم أسس التلاوة، وكانت تلاوتهم لآيات القرآن الكريم مثار إبهار وتعظيم لكل من استمع إليهم، واستمد من أصواتهم شغفا لفنون التلاوة والإنشاد الدينى الجميل.
من خلال سلسلة تقارير مميزة، يفتح موقع وجريدة «اليوم» نافذة على قصص هؤلاء العظماء، كاشفًا تفاصيل مسيرتهم الفريدة، وبصماتهم المؤثرة في عالم التلاوة، ودورهم في نشر رسالة القرآن الكريم إلى قلوب الملايين.
في هذا التقرير، نروي سيرة القارئ الشيخ “أبو العينين شعيشع” الذي كانت تلاوته علامة فارقة، تاركًا إرثًا خالدًا في ذاكرة الأمة.
إرث قرآني خالد وأسطورة خالدة في عالم التلاوة
لم يكن الشيخ أبو العينين شعيشع مجرد قارئ عادي للقرآن الكريم، بل كان رمزاً من رموز العصر الذهبي للتلاوة في مصر والعالم الإسلامي.
امتدت رحلته من قرية صغيرة في كفر الشيخ إلى أرجاء العالم، ليصبح أيقونة لا تُنسى في تاريخ تلاوة القرآن الكريم.
النشأة والبدايات: موهبة مبكرة تنبئ بمستقبل عظيم
ولد الشيخ أبو العينين شعيشع عام 1922 في مركز “بيلا” بمحافظة كفر الشيخ نشأ في أسرة بسيطة، وكانت موهبته في التلاوة ظاهرة منذ صغره، حيث كان يُسمع صوته الجميل وهو يدندن بالقرآن مع أقرانه في الكُتّاب.
لفت هذا الصوت العذب انتباه الشيخ يوسف شتا، شيخ الكتاب وقتها، الذي رأى فيه موهبة مميزة تنبئ بمستقبل كبير في عالم التلاوة.
في المدرسة، كان يُطلب منه دائماً افتتاح المناسبات بتلاوة بعض آيات القرآن الكريم، فحاز إعجاب الجميع.
وبحلول الرابعة عشرة من عمره، أصبحت شهرته واسعة في كفر الشيخ والقرى المجاورة، وبدأت تلاوته تجذب أنظار محبي القرآن الكريم في كل مكان.
الانطلاقة الكبرى: من الريف إلى الإذاعة المصرية
في عام 1939، حدثت نقطة التحول الكبرى في حياة الشيخ أبو العينين. تلقى دعوة لإحياء مأتم الشيخ الخضري، أحد كبار العلماء، وكان هذا الحدث بحضور الشيخ عبد الله عفيفي، إمام الملك وشاعر مشهور. تأثر عفيفي بصوت الشيخ شعيشع، وأوصى بتقديمه للإذاعة المصرية.
عندما التقى شعيشع بسعيد لطفي باشا، مدير الإذاعة المصرية، حُدد له موعد لاختبار أمام لجنة ضمت أعظم العلماء والموسيقيين، مثل الشيخ أحمد شوريت، وإبراهيم مصطفى، والشيخ المغربي، ومصطفى رضا.
اجتاز الاختبار بنجاح، وعلى الرغم من كونه في السابعة عشرة فقط، تعاقدت الإذاعة معه ليكون واحداً من أصغر قرائها.
آنذاك، كان التعاقد مع الإذاعة حكراً على عمالقة التلاوة مثل الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، إلا أن صوت شعيشع المميز ومهارته الاستثنائية وضعته في مصافهم سريعاً.
أول قارئ قرآن مصري يتجاوز الحدود
في عام 1940، سجل الشيخ شعيشع سابقة تاريخية عندما أصبح أول قارئ مصري يسافر إلى الخارج لتلاوة القرآن.
دعته إذاعة الشرق الأدنى، التي كانت مقرها فلسطين، للتعاقد معه لمدة ثلاثة أشهر خلال هذه الفترة، كان يؤدي تلاوة صلاة الجمعة من المسجد الأقصى، والتي نقلتها إذاعتا القدس والشرق الأدنى مباشرة.
لم تقتصر دعوات الشيخ على فلسطين فقط، بل تلقى دعوات لاحقاً من دول عدة مثل السعودية، الكويت، العراق، وسوريا. كان يُستقبل بحفاوة في كل مكان، وكرّمته الحكومات والملوك بأوسمة وشهادات تقدير تقديراً لإبداعه في التلاوة.
فترة المرض: اختبار الإيمان والصبر
في بداية الستينيات، تعرض الشيخ لوعكة صحية شديدة أثرت على أحباله الصوتية، مما جعل القراءة أمراً صعباً.
كانت هذه الفترة اختباراً حقيقياً لقوة إيمانه وصبره. لكنه لم يستسلم، وبتوكله على الله والعلاج المستمر، تمكن من استعادة صوته والعودة إلى التلاوة كما كان.
بعد شفائه، عاد الشيخ شعيشع أقوى مما كان، وواصل مسيرته في إحياء ليالي رمضان في مختلف دول العالم الإسلامي.
دوره في اكتشاف المواهب الجديدة
إلى جانب كونه قارئاً مميزاً، كان الشيخ شعيشع حريصاً على اكتشاف المواهب الجديدة في مجال التلاوة.
كان يطوف القرى والمراكز الريفية في مصر بحثاً عن قراء شباب يتمتعون بمواهب فريدة، وكان يقدم لهم الدعم والتشجيع.
تسجيلات خالدة: استمرار العطاء رغم رحيله
ترك الشيخ أبو العينين شعيشع إرثاً ضخماً من التسجيلات القرآنية التي ما زالت تُذاع حتى اليوم. قدم العديد من التلاوات التي تُعد علامة فارقة في تاريخ الإذاعة القرآنية، كما استكمل تسجيلات الشيخ محمد رفعت بعد وفاته، مما جعله رمزاً للوفاء لكتاب الله.
وفاة أسطورة التلاوة
في عام 2011، توفي الشيخ أبو العينين شعيشع بعد مسيرة استمرت أكثر من سبعة عقود، أثرى خلالها وجدان الأمة الإسلامية بتلاوته العذبة كانت وفاته خسارة كبيرة لعالم التلاوة، لكنه ترك خلفه إرثاً خالداً يخلده في ذاكرة الأجيال.
الشيخ أبو العينين شعيشع لم يكن مجرد قارئ للقرآن، بل كان مثالاً للعطاء والإبداع في خدمة كتاب الله بصوته العذب وأدائه المتقن، استطاع أن ينقل القرآن إلى قلوب ملايين المسلمين حول العالم، وأن يكون رمزاً يُحتذى به لكل من جاء بعده ستظل سيرته نموذجاً مشرفاً للإخلاص والتميز في خدمة القرآن الكريم.