تقارير-و-تحقيقات

صيام عشر ذي الحجة.. عبادة موسمية بفضل يفوق الجهاد

 

مع اقتراب أعظم أيام العام، يتجدد التساؤل الموسمي بين المسلمين: ما سرّ الإقبال الكبير على صيام الأيام التسعة الأولى من شهر ذي الحجة؟ ولماذا يحثّ العلماء والدعاة على اغتنامها رغم ما يصاحبها من تعب وجهد، خصوصاً في مواسم الصيف اللاهبة؟ يعود الجواب إلى مكانة هذه الأيام في الشريعة الإسلامية، والفضائل المتعددة التي رُويت فيها، والأحاديث النبوية التي ترفع من شأن العمل الصالح فيها، وعلى رأسه الصيام.

هذا التحقيق يغوص في عمق هذه الشعيرة، متناولاً دلالاتها وأسبابها، وأقوال العلماء بشأنها، وفلسفة صيامها، وما يميزها عن غيرها من الأيام.

العشر من ذي الحجة: موسم رباني لنهضة روحية

تشكل العشر الأُوَل من شهر ذي الحجة مناسبة دينية لها خصوصية روحية عظيمة في وجدان المسلمين، فهي أيام يجتمع فيها عدد من أفضل العبادات من صلاة وصيام وذكر وصدقة وحج وقد ورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء.”

هذا الحديث وحده يضع هذه الأيام في مصافّ المواسم الإيمانية الكبرى، بل إنها تتفوق في الفضل على الجهاد في سبيل الله، الذي يعدّ في الشرع من أعلى مراتب العبادة وهذا يعكس مدى أهمية استغلال هذه الأيام المباركة في التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، وعلى رأسها الصيام.

صيام التسع من ذي الحجة: عبادة خاصة بمكافأة استثنائية

رغم أن صيام هذه الأيام ليس فرضاً، إلا أن الشريعة الإسلامية تحث عليه بشدة، لما له من ثواب مضاعف ومكانة خاصة عند الله وقد أفرد الإسلام عبادة الصوم بخصوصية فريدة؛ إذ جاء في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به.” (رواه البخاري ومسلم).

في هذا الحديث، يُبيّن الله عز وجل أن أجر الصيام فوق الحساب، وأنه عبادة خالصة لله، حيث يترك العبد طعامه وشرابه وشهواته طاعة لله وحده وقد فسر العلماء هذا الحديث بأن الصيام عبادة سرّية لا يطّلع عليها أحد سوى الله، مما يجعلها مخلصة بطبيعتها، فيستحق صاحبها أجرًا خاصًا.

الفرح المضاعف: فرحتان للصائم لا تشبههما فرحة

في ترغيب آخر من النبي صلى الله عليه وسلم، يرد في الحديث: “للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه” هذه الفرحة المزدوجة ليست مجرّد سعادة جسدية بانتهاء يوم من العطش والجوع، وإنما هي شعور روحي عميق بالرضا والتوفيق، ثم مكافأة يوم القيامة حين يرى الصائم ثواب صيامه مدونًا في صحيفة أعماله، ويناله الجزاء من رب كريم.

عطر الصيام: خلوف فم الصائم أطيب من ريح المسك

حتى الآثار الجانبية التي قد ينفر منها البعض، مثل رائحة فم الصائم، جعلها الإسلام موضع مدح. فقد جاء في الحديث: “لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك” هذا التعبير الرمزي يشير إلى أن المشقة التي يتحملها الصائم لها عند الله منزلة، وأنه يُكافأ على كل لحظة صبر، حتى إن آثار الجهد البدني تُحسب له أجرًا.

باب الريان: بوابة الجنة الخاصة بالصائمين

إن للصائمين امتيازًا عظيمًا يوم القيامة، إذ خصص الله لهم بابًا من أبواب الجنة يسمى “الريان”، لا يدخل منه سواهم ففي الحديث الصحيح: “إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم.” وهذا الباب الرمزي هو تكريم إلهي لصبرهم وعبادتهم الخفية، إذ يُدعون بأسمائهم يوم القيامة ليدخلوا الجنة من مدخل خاص، في مشهد مهيب يعكس مدى القرب من الله.

درع من النار: الصيام جُنة ووقاية

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع أن الصيام ليس فقط وسيلة للتقرب من الله، بل هو وقاية من عذاب النار، فقال: “الصيام جُنّة من النار، كجُنة أحدكم من القتال.” والمعنى أن الصيام يقف حائلًا بين العبد وبين الذنوب التي تجرّه إلى النار، كما أن الدرع يقي المقاتل في ساحة الحرب.

تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب

من الأسباب الكبرى التي تدعو إلى الصيام في العشر من ذي الحجة أنه من أسباب تكفير الخطايا. فقد قال رسول الله: “فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفّرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” (رواه البخاري ومسلم). وهذا يعني أن الصيام يسهم في تطهير القلب وتخفيف الأوزار التي تراكمت بفعل الخطايا اليومية.

الصيام شفيع لصاحبه يوم القيامة

من فضائل الصيام أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة، فقد جاء في الحديث: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة” وفي الرواية، يقول الصيام: “يا رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه” وهذا تأكيد على أن الصيام ليس عبادة صامتة فحسب، بل إنها تتكلم يوم القيامة لصالح من أداها بإخلاص.

الصيام في حر الصيف: مشقة بأجر لا يُقدّر بثمن

قد يعزف البعض عن الصيام في العشر من ذي الحجة بحجة ارتفاع درجات الحرارة وصعوبة العمل والجهد، إلا أن هذا العذر لا يصمد أمام عظمة الأجر المترتب على الصيام. فكل لحظة مشقة، وكل إحساس بالعطش، وكل مقاومة للجوع، تُعدّ رصيدًا إيمانيًا يُثقل الميزان يوم القيامة، وربما تكون سببًا في النجاة.

هل صام النبي العشر الأُوَل من ذي الحجة؟

ورد عن حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر” (رواه النسائي وأحمد) وإن كانت بعض الروايات الأخرى لم تثبت صحتها عند بعض المحدثين، إلا أن عمل السلف على صيام هذه الأيام يُعدّ دليلاً على أهميتها واستحبابها.

العمل الصالح في عشر ذي الحجة: ليس الصيام وحده

لم يقتصر فضل هذه الأيام على الصيام فقط، بل دعا النبي إلى استغلالها في سائر العبادات من ذكر وقيام وصلة رحم وصدقة وتلاوة قرآن فالأعمال الصالحة فيها مضاعفة، والعمل في هذه الأيام لا يُقارن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights