بروفايل

من السنبلاوين إلى قمة الأزهر.. سيرة الإمام الشناوي الملهمة

الإمام محمد مأمون الشناوي.. الإمام المجدد وصانع النهضة الأزهرية

تقرير : أحمد فؤاد عثمان 

في لحظة من لحظات التنوير والنهضة التي عاشها الأزهر الشريف في القرن العشرين، بزغ نجم الشيخ الإمام محمد مأمون الشناوي، العالم الأزهري الجليل الذي خلد اسمه في سجل العلماء المجددين، وأعاد للأزهر هيبته وريادته في زمن دقيق من تاريخ مصر والعالم الإسلامي.

ميلاده ونشأته في بيت علم وتقوى

وُلد الشيخ محمد مأمون بن أحمد الشناوي في العاشر من أغسطس عام 1878م، في بيتٍ عُرف بالعلم والصلاح، فوالده الشيخ السيد أحمد الشناوي كان عالمًا كبيرًا في الدين، ومشهورًا بالتقوى، يقيم في مدينة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، قبل أن ينتقل إلى بلدة الزرقا بمحافظة دمياط. في كنف هذا البيت المبارك نشأ الإمام، وتربى على حب العلم والدين منذ نعومة أظفاره.

حفظ القرآن ورحلته إلى الأزهر

أتمَّ الشيخ محمد مأمون الشناوي حفظ القرآن الكريم وهو في الثانية عشرة من عمره، ثم التحق بالأزهر الشريف ليبدأ رحلته الكبرى في طلب العلم.

وهناك، واجه في البداية صعوبة مع منهج التعليم التقليدي المليء بالمتون والحواشي، وكاد يترك الأزهر ويعود إلى قريته، لولا دعم والده وأخيه الأكبر الشيخ سيد الشناوي، الذي أصبح فيما بعد رئيسًا للمحكمة العليا الشرعية.

تلميذ الإمام محمد عبده والمقرب من الجيزاوي

سرعان ما تغيّر مسار الإمام الشناوي داخل الأزهر، فبفضل اجتهاده وذكائه أصبح من أبرز طلاب الأزهر، ونال رعاية وتقدير الإمام المجدد محمد عبده.

وكان أيضًا من ألمع تلاميذ الشيخ أبي الفضل الجيزاوي، الذي أولاه عناية خاصة، ولاحقًا دافع عنه بقوة في امتحان شهادة العالمية حين اتُهِم زورًا بالطعن في العلماء، ليحصل الشيخ الشناوي على شهادته المرموقة عام 1906م عن جدارة واستحقاق.

بين القضاء والتدريس والقيادة الدينية

بدأ الشيخ الشناوي حياته المهنية بالتدريس في معهد الإسكندرية الديني، ثم عُيّن قاضيًا شرعيًّا عام 1917م، فتميز بالعدل والورع والعلم الغزير، مما أهّله ليُعيّن إمامًا للسراي الملكية، وهو منصب لا يُمنح إلا لمن يجمع بين الثقة الرفيعة والعلم الواسع.

عميد كلية الشريعة وعضو كبار العلماء

مع صدور قانون تنظيم الأزهر عام 1930م، اختير الشيخ محمد مأمون الشناوي عميدًا لكلية الشريعة، فقادها بحكمة واقتدار. ثم عُيّن عضوًا في جماعة كبار العلماء عام 1934م، وتقلّد منصب وكيل الأزهر في عام 1944م، كما ترأس لجنة الفتوى بالأزهر، ليصبح أحد أعمدة المؤسسة الدينية في مصر.

أخلاق العلماء وهيبة الكبار

كان الإمام الشناوي مثالًا للعالم الرباني؛ جليل السمت، قوي الشخصية، كريم الأخلاق، متواضعًا، محبوبًا بين الناس، لا يتوانى في نصرة الحق، واسع الثقافة، عميق الفكر، يُرجع إليه العلماء والناس في أدق المسائل. لقد جمع بين المهابة والبساطة، وبين العمق العلمي والانفتاح على الواقع.

مشيخة الأزهر.. تجديد وتطوير في عهد قصير

في 13 يناير 1948م، تولى الشيخ محمد مأمون الشناوي مشيخة الأزهر الشريف، بعد وفاة الإمام مصطفى عبد الرازق. رغم قصر المدة، إلا أن أثره كان بالغًا.

فقد بدأ بإصلاح الشأن الداخلي للأزهر، وأوقف العصبيات والميول الحزبية، وربط بين طلابه بروابط الأخوة والعلم، وأشعل حركة نشطة لتطوير الأزهر وتعزيز مكانته العلمية.

مشاريع تعليمية وبعثات علمية ونهضة مؤسسية

ارتفعت ميزانية الأزهر في عهده إلى أكثر من مليون جنيه، فبدأ بإرسال بعثات علمية إلى أنحاء العالم الإسلامي، ونظم رحلات علمية إلى إنجلترا لتعلم اللغة الإنجليزية، تمهيدًا لنشر الإسلام في الدول الناطقة بها.

كما استقبل آلاف الطلاب الوافدين من العالم الإسلامي، ووفّر لهم أماكن المعيشة والدراسة.

أنشأ الإمام خمسة معاهد أزهرية جديدة في مدن مصر المختلفة: المنصورة، المنيا، منوف، سمنود، وجرجا، في إطار خطته لنشر التعليم الأزهري على أوسع نطاق.

موقفه الحاسم ضد البغاء الرسمي

من أعظم مآثر الإمام الشناوي موقفه الحاسم لإلغاء البغاء الذي كان الاستعمار قد أقره رسميًا، حيث رأى فيه عارًا يُلحق العار بالأمة، فواجهه بحزم حتى أُزيلت هذه الوصمة عن جبين المجتمع المصري.

جهوده العلمية ومقالاته الباقية

ورغم كثرة المهام التي شغلته، فقد ترك الشيخ الشناوي عددًا من المقالات المهمة، جمعها تلميذه الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي في كتابه (الإسلام ومبادئه الخالدة)، وقد امتاز أسلوبه فيها بالقوة والوضوح. ويُحتمل أنه ألّف كتابًا لنيل عضوية جماعة كبار العلماء، إلا أن المصادر لم توثق ذلك بشكل قاطع.

الوفاة والميراث العلمي

في صباح الأحد 3 سبتمبر 1950م، الموافق 21 من ذي القعدة 1369هـ، رحل الإمام المجدد الشيخ محمد مأمون الشناوي، تاركًا خلفه جيلًا من العلماء والمجددين الذين حملوا مشعل الأزهر من بعده، وكان من أبرزهم ابنه الدكتور عبد العزيز الشناوي، أحد كبار علماء التاريخ الإسلامي.

لقد صنع الشيخ الشناوي نهضة، وترك أثرًا باقٍ لا يُمحى، وكتب اسمه في سجل شيوخ الأزهر بحروف من نور، عالمًا مصلحًا، وقائدًا حكيمًا، ورمزًا خالدًا في ذاكرة الأزهر الشريف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights