صدور كتاب «التحطيب وأعلامه في جنوب مصر (1900-2025)» لتوثيق أحد أعرق الفنون الشعبية الصعيدية

صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة الثقافة الشعبية، كتاب بعنوان «التحطيب وأعلامه في جنوب مصر (1900-2025)» للكاتب بحبح فكري الحباظي، في جهد توثيقي موسع لتسجيل أحد أعرق الفنون الشعبية المصرية وأكثرها ارتباطًا بالهوية الثقافية في صعيد مصر.
يُعد التحطيب ممارسة تقليدية تجمع بين المهارة البدنية والقيم الأخلاقية المرتبطة بالفروسية والاحترام والتنافس الشريف، وقد ارتبط حضوره بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية في محافظات جنوب مصر. وفي إطار جهود الدولة للحفاظ على التراث الثقافي غير المادي، تم إدراج فن التحطيب على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو عام 2016، اعترافًا دوليًا بقيمته الثقافية ومكانته كتعابير حية عن الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية.
ويستعرض الكتاب الجذور التاريخية للتحطيب، التي تعود إلى مصر القديمة، حيث تظهر مناظره على جدران المعابد والمقابر، مثل نقوش معبد الكرنك ومقابر بني حسن وتونة الجبل، في دلالة على أن اللعبة لم تكن مجرد تسلية، بل كانت جزءًا من طقوس الاحتفالات الدينية والتدريب العسكري. كما استمر التحطيب في العصور الإسلامية، حيث وثقته مخطوطات مملوكية لألعاب الفروسية، ما يعكس استمرارية هذا الفن عبر العصور.
ويؤكد المؤلف أن التحطيب لم يكن يومًا فعل عنف، بل ممارسة استعراضية تحكمها قواعد أخلاقية صارمة تقوم على ضبط النفس واحترام الخصم، والاعتزاز بالهوية الجماعية. وتقوم اللعبة على المبارزة بالعصا الغليظة المعروفة بـ«الشومة»، في طقوس مصاحبة بالموسيقى الشعبية، التي تطورت من الربابة إلى المزمار البلدي وفرق موسيقى التحطيب، لتصبح عنصرًا أساسيًا في جذب الجمهور وإضفاء البهجة على الفعاليات.
ويتتبع الكتاب مسار التحطيب في محافظات جنوب مصر الأربع: أسوان والأقصر وقنا وسوهاج، مستعرضًا أعلام اللعبة من الراحلين والمعاصرين، ومن بينهم الشباب والأطفال، في عمل ميداني استمر سنوات بالاعتماد على الروايات الشفوية لكبار السن ومتابعة اللاعبين في قراهم ومراكزهم. وجاء الكتاب في أربعة أبواب خصص كل باب لمحافظة، وشمل فصولًا لتوثيق 239 لاعبًا من أعلام التحطيب، مرتبين زمنيًا من الأكبر سنًا إلى الأحدث، في محاولة لحفظ الذاكرة الشعبية من الضياع.
ويشير الحباظي إلى أن لاعبي التحطيب يمثلون خلفيات اجتماعية متنوعة، من أساتذة جامعات ونواب وأصحاب مناصب قيادية، إلى نماذج ملهمة لتحدي الإعاقة، منهم من يعاني أمراضًا مزمنة أو إعاقات جسدية واصلوا ممارسة اللعبة بنجاح. ويختم المؤلف بأن هذا العمل توثيقي موضوعي، مفتوح لاستكمال رصد أعلام اللعبة مستقبلًا، داعيًا إلى مزيد من الاهتمام الرسمي والإعلامي بالتحطيب، الذي يمثل فنًا فرعوني الجذور ما زال حيًا في وجدان أبناء الجنوب.

