محمود عبد العظيم يكتب: لا تنتظر المثالية في زمن الأقنعة
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، وانقلبت فيه الموازين، لم يعد من الحكمة أن تنتظر الأشخاص الجيدين في أماكنهم التقليدية، أو أن تميزهم من بين الجموع بعلامات فارقة أو صفات واضحة. لقد أصبح الطيبون يختبئون أحيانًا تحت أقنعة الصمت، بينما السيئون يتزيّنون بكلماتٍ منمّقة، ووجوهٍ مصقولة.
لا تنتظر من بيئة عملك أن تكون حاضنةً للود والإخلاص، ولا من أقاربك أن يكونوا جميعًا داعمين، محبين، مشفقين على خطواتك. لا تفترض أن كل صديقٍ يحمل في قلبه وفاءً، أو أن كل أخٍ سيضحي لأجلك، لا تنتظر… كي لا تُخذل.
لقد تغير الناس كما تغيرت المفاهيم. ما كان يُعدّ بالأمس من المسلّمات، بات اليوم نادرًا، غريبًا، أو حتى مثيرًا للشك. اختلطت النوايا، وتشابكت المظاهر، حتى أضحى السيئ يبدو في صورة الجيد، والجيد يُساء فهمه ويُتهم بالسذاجة أو الرياء.
ولذلك، لا تبنِ توقعاتك على ما يجب أن يكون، بل على ما هو كائن. لا تتعامل مع العالم وكأنك في حكايةٍ مثالية، حيث يُقابل الخير بالخير، ويُرد المعروف بالجميل. ففي هذا الواقع القاسي، قد تُحسن إلى من يسيء إليك، وتُخلص لمن يخونك، وتحب من لا يعرف للحب معنى.
إذا أردت أن تعيش، بسلامٍ داخليّ، ورضا نفسي، فعليك أن تراجع أحكامك، وتضبط تصوراتك. كن معتدلاً في تعاملك مع البشر، لا تمنحهم أكثر مما يحتملون، ولا تحمّل نفسك فوق طاقتها من العشم أو الانتظار.
كن طيبًا دون أن تُستَغفَل، حليمًا دون أن تُستَضعف، كريمًا دون أن تُبتَز.
ضع قلبك في مكانٍ آمن، ولا تسمح للخذلان أن يسكنك.
نحن في زمنٍ صعب، مليءٍ بالتحديات والعلاقات المتقلبة، فلا تبحث فيه عن الكمال، بل ابحث عن الاتزان، واستند إلى قيمك، ولو كنت وحدك.

