حوارات

د. عبد الغني الغريب في حوار لـ “اليوم”: هناك فرق بين السلف والسلفية.. والأزهر هو منهج الإسلام الصحيح 

حوار- محمود عرفات

تشهد السنوات جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي بين السلفية المعاصرة والأشاعرة ويمثلها المدرسة الأزهرية، وذلك في بعض المسائل الشرعية، وتحديدا في باب الأسماء والصفات في العقيدة.

الصراع بين السلفية والأشاعرة ليس حديثًا أو طارئًا مع ظهور السلفية المعاصرة، بل هو قديمٌ ومتجذر، لكن مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي خرج الخلاف من بطون الكتب وجلسات العلماء، إلى فضاء الواقع الافتراضي، كان آخرها رسالة الماجستير التي ناقشها الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف في كلية العلوم الإسلامية للوافدين مع أحد الباحثين، واستنكر عليه نقله في بحثه عن الشيخ ابن عثيمين، قائلا: يا ابني ما فيش أزهري ينقل عن ابن عثيمين، دا بيكفر الأزهر يا ابني”.

هذا بدوره أثار ضجة عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي بين أتباع الفكر السلفي، والأزاهرة الذين يمثلون فكر الأشاعرة وهو مذهب كلامي منسوب إلى الإمام أبي حسن الأشعري، ويمثله السواد الأعظم من علماء المسلمين.

وفي هذا الإطار يفتح “اليوم” هذا الملف مع الدكتور عبد الغني الغريب رئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر بالزقازيق، وذلك للنظر حول أوجه الخلاف، وإلقاء نظرة على تاريخ الصراع الفكري بين الأشاعرة والسلفية، وحال التصوف خلال السنوات الأخيرة.

إلى نص الحوار:-

1- أولا، كثيرا ما يتساءل العوام، ما هي أوجه الخلاف بين السلفية المعاصرة والأشاعرة؟ 

من رحمة الله بالأمة الإسلامية أنها مجتمعة على الأصول الثابتة من أركان الإيمان والإسلام والإحسان، ولكن أوجه الاختلاف تأتي دائمًا في التفاصيل، فبينما يتفق الجميع على التنزيه المطلق لله تعالى نجد أنهم يسلكون في سبيله طرائق شتى، فالأشاعرة (الأزهر) يثبتون لله الصفات الكمالية، ولكنهم يحتاطون فلا يثبتون الصفات التي توحي بالتشبية أو المماثلة أو النقص على حقيقتها، وذلك مثل المكر والنسيان والعلو والاستواء والساق واليد والأعين وغيرها من المعاني الحسية، وإنما يفوضون حقيقتها إلى علم الله بعدما ينفون المعنى الظاهري، أو يؤولونها على المعنى المجازي اللائق، وذلك بخلاف السلفية فإنها تثبت مثل هذه الصفات ولكنهم يفرون من التشبيه والمماثلة بقولهم بلا كيف، وهو تناقض لأنه إثبات ونفي في آن واحد، كأنك تقول الشيء ساكن ومتحرك في آن واحد.

2- يزعم السلفيون أن الأزهر (الأشاعرة) مخالف لما عليه السلف الصالح ما رأيكم؟

هناك فرق بين السلف والسلفية، فالسلف هم أصحاب القرون الثلاثة الأولى وبعضهم أو صلها إلى القرن الخامس الهجري وفترة السلف هي فترة زمنية مباركة، أما السلفية فهم ينتسبون إلى الإمام أحمد بن حنبل تارة، وأخرى إلى الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ولكن الظهور الحقيقي لهم مع ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، ويطلق عليهم أحيانا الوهابية، ولكنهم لا يحبون هذه التسمية، مع تقديرهم لمكانة الشيخ محمدبن عبد الوهاب، وأما من ناحية أن الأزهر أشعري لا يدرس منهج السلف فهذه معلومة غير صحيحة، فالأزهر يدرس في باب العقائد مذهب التفويض والإمساك عن الخوض في النصوص الموهمة للتشبيه وهو منهج السلف الصالح وعبارة الشيخ اللقاني واضحة: “فكل نص أوهم التشبيها فوضه أو أوله ورم تنزيها”.

ويضيف: أما في الفروع يدرس الأزهر المذاهب الفقهية الأربعة بما فيها مذهب الإمام الجليل أحمد بن حنبل، وفي الأخلاق يدرس التصوف السني المأخوذ من عبارات السلف الأوائل ومن سار على نهجهم، بالإضافة إلى تدريس كتب السنة وشروحها والقراءات والتفسير واللغة وغيرها من علوم السلف فكيف يتهم الأزهر بعد ذلك بأنه لا يدرس منهج السلف؟

3- معلومٌ أن الأزهر الشريف عقيدته أشعرية..كيف ترد على الزعم بأن الإمام الأشعري تاب عن عقيدته في كتابه “الإبانة“؟

المجمع عليه هو رجوع الإمام الأشعري عن مذهب المعتزلة، وأما توبته من المذهب الأشعري إن جاز التعبير عبارة لا تصح، وكتاب الإبانة للإمام الأشعري الذي يعول عليه البعض طبع مؤخرًا فيه أغلاط وعبارات لا تليق أن تصدر عن الإمام الأشعري مما يحتمل وقوع الدس فيه، بالإضافة إلا كتاب اللمع الذي يمثل منهج الأشعري وهو مقطوع النسبة له ويحتمل أنه متأخر عن الإبانة، وكذلك ما سجله الإمام ابن فورك عن موقف الإمام الأشعري يؤكد عدم رجوعه عن مذهبه، وما يرد عن الإمام الأشعري من الإثبات تارة والتأويل تارة أخرى هو في الحقيقة يمثل مذهبه في التفويض والتأويل معًا، وهو ما عليه الأشاعرة حتى الآن.

4- على اعتبار الصلة الوثيقة بين الأشاعرة والصوفية.. ما هو التصوف الإسلامي الصحيح، وكيف تراه في السنوات الأخيرة؟

التصوف له تعريفات كثيرة، ولكن جميعها يرجع إلى تعريف الشيخ أحمد زروق رحمه الله، حيث قال إن التصوف هو صدق التوجه إلى الله، بلا شك أن التصوف فيه الأصيل وفيه الدخيل، فهناك مظاهر يقوم بها بعض العوام لا تمثل حقيقة التصوف، وللتصوف أهله الذين يجمعون بين العلم والعمل كما ذكرهم أبونعيم في الحلية وصاحب الرسالة القشيرية وابن الجوزي في صفة الصفة وغيرهم، وفي كل عصر يقيض الله للتصوف رجال لهم تأثير واضح في نشر التصوف الإسلامي الصحيح، أمثال الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ الشعراوي والشيخ محمد زكي الدين إبراهيم، والعالم الجليل الدكتور علي جمعة وغيرهم كثير.

5- ما رأيك في دعاة السلفيين الآن على مواقع التواصل الاجتماعي، وهل هم أهلا للفتوى؟

لا شك أن للسلفية نشاط ملحوظ على مواقع التواصل الاجتماعي، وأما من ناحية الفتوى فلا يمكن التعامل مع السلفية على أنها كتلة واحدة لأنها في الحقيقة عدة سلفيات، ولكل منها طريقتها في الطرح ولكن القاسم المشترك بينهم هو الشدة والتعصب في فتاوى مسائل الاعتقاد والخلط بينها وبين الفروع الفقهية في كثير من الأحيان، كما أن هناك شدة وتعصب واضح تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى حيث إنهم يبدعون الأشاعرة بدعوى تعطيل الصفات، ويزعمون أن الصوفية فيهم شركيات وبعضهم يسميهم بعباد القبور، وفي باب الفقه تتفاوت السلفية في مدى التمسك بالمذهبية والتخلي عنها، فكثير منهم يرى بدعية التمسك بالمذاهب الفقهية ويفتي بما يعرف عندهم بفقه الدليل وهو فقه غير منضبط في كثير من مسائله، كما أن بعضهم يفتي بمذهب الإمام أحمد وترجيحات الشيخ ابن تيمية، ومنهم من ينتقي من أقوال الأئمة الأربعة ما يراه موافقًا للدليل من وجهة نظره، وهناك تخبط واضح في بعض الفتاوى بسبب عدم إسقاط الحكم على الواقع والانحياز لمذهب أو قول بعينه والموقف من علم أصول الفقه والاعتماد في ترجيح الأقوال على تخريج بعض الشيوخ المعاصرين للأحاديث الشريفة وعدم مراعاة الزمان والمكان وغير ذلك من ضوابط الفتوى.

6- ما ردكم على دعوى السلفية المعاصرة أنهم أهل السنة والجماعة وليس الأشاعرة منهم؟

مما يؤخذ على السلفية هو اعتبارهم أن الأشاعرة ليسو من أهل السنة في حين أنهم يعتبرون أنفسهم الممثل الحقيقي لأهل السنة، وهو أمر في غاية الدهشة والغرابة لأن من يتصفح الكتب ويطالع التاريخ يجد أن الأشاعرة هم أول من سموا بأهل السنة، في حين أن من يسلبونهم هذا الوصف كانوا وقتها في حيز العدم، ومع ذلك يؤكد الأشاعرة بأن مصطلح أهل السنة ليس حكرًا عليهم وحدهم، وإنما يشمل هؤلاء جميعًا الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث وأئمة المذاهب الأربعة والصوفية، وأزيد فأقول كل من صح اعتقاده بالله ورسوله وكان متبعًا لهدي الصحابة والسلف الصالح فهو من أهل السنة.

7- بصفتك أستاذ العقيدة والفلسفة ما هي روشتة العلاج أو مجموعة النصائح التي تقدمها لأصحاب الفكر السلفي؟

النصائح هي التأني في الأحكام والفتاوى وذلك بدراسة المذاهب الفقهية والتعمق في دراسة علم أصول الفقه وضوابط الفتوى، ودراسة المذاهب الإسلامية الأخرى دراسة موضوعية لا سيما الأشاعرة، والماتريدية، والصوفية فإن أمانة العلم تقتضي التأني والإنصاف، والنظر إلى القواسم المشتركة والتحلي بأدب الخلاف، وكذا توسيع مصادر التلقي والاستفادة على كتب العلماء أمثال الرازي والغزالي والبيضاوي والنسفي وغيرهم.

وتابع: وأخيرًا إذا كنا جميعًا نتباهى بأن تعداد المسلمين تخطى المليار والنصف فإنه يجب العلم بأن منهم الأشعري والماتريدي والصوفي والسلفي والشيعي والزيدي والإباضي لذا فإن الحكمة تقتضي التعاون فيما اتفقنا عليه وهو كثير، وأن يكون النقاش حول المختلف فيه داخل قاعات البحث وأروقة العلم بعيدًا عن ساحات الإعلام ومخاطبة العوام حتى يسود الاحترام المتبادل الذي يحفظ على الأمة كيانها ووجودها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى