
تقرير: مروة محي الدين
في حادثة أضحت اعتيادية منذ أكتوبر 2023، أعلنت أعلنت هيئة شئون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني، اليوم- الخميس، استشهاد ثلاثة أسرى من معتقلي غزة، بسبب التعذيب الوحشي في سجون ومعسكرات الاحتلال.
قتل بالتعذيب
عقب تلقي منظمات الأسرى ردود من جيش الاحتلال بشأن مصيرهم، كشفت عن هوياتهم، فقالت: إنهم “تيسير صبابة- 60 عاماً” واستشهد في 31 أكتوبر 2024، و”خميس عاشور- 44 عاماً”، واستشهد بعد يوم واحد من اعتقاله في 8 أكتوبر 2024، و”خليل أحمد هنية- 35 عاماً”، واستشهد في 25 ديسمبر 2024؛ دون أن توضح أسماء السجون والمعسكرات التي استشهدوا فيها.
وبذلك يرتفع عدد شهداء الأسرى في سجون الاحتلال، منذ 7 أكتوبر 2023، إلى أكثر من 100 شهيد، 83 منهم تم الكشف عن هوياتهم، بينهم 50 شهيد من معتقلي غزة؛ ويصل عدد شهداء الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، منذ عام 1967، إلى 321 شهيدا؛ بينما يظل مصير المئات من أسرى غزة مجهولا، بين الإخفاء القسري والإعدام الميداني.
وفي تصريح خاص لموقع اليوم، علق “أيهم كممجي”- الأسير المحرر في الدفعة الأخيرة من صفقة طوفان الأحرار على ذلك، فقال:”الاحتلال القذر يمارس أبشع أنواع الوحشية العالمية، فهل يمكن أن نتوقع منه أن يلقي علينا الورود؟ ما فعل هذا شيء متوقع منه، وفي المقابل يكون الضحايا من ذلك الشعب المقاوم المضحي”.
وأضاف حول قتل رجل ستيني بينهم: “أن الاحتلال الذي يقتل الأطفال، فلن ننتظر منه أن يستحي أن يقتل المسن، فإذا الذئب أو الضبع- وحاشا للذئب أوالضبع أنه يشبه بهؤلاء المسوخ- افترس الحمل الوديع، هل يكون كبير عليه افتراس التيس أو الجدي الكبير، هذا العدو يفترس الفلسطينيين ويتلذذ بدائهم، دون تمييز بين صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى أو شاب أو شيخ أو طفل، فالقتل في عقيدته ديموجرافي أيديولوجي؛
وأي فلسطيني أمامه هو عدو وهدف يجب إبادته، كي لا يبقى واقفا في وجهه يذكره بأنه مجرم، وهنا يساوي بين الأسير والحر، والواقف على أحد الحواجز والجالس في بيته، ما من فلسطيني آمن، من أي مجال وأي مهنة، سواء الطبيب أو عامل النفايات أو عامل بناء أو الميكانيكي.. إلخ، حيث الاحتلال عبر تاريخه لا يميز بين ضحاياه”.
تحقيق دولي
مع تزايد جرائم الاحتلال بحق الأسرى، الذين يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب، بخلاف جرائم الإعدام الميداني في السجون ومراكز التحقيق، طالب مكتب إعلام الأسرى وحركة حماس بفتح تحقيق دولي عاجل في تلك الجرائم. ودعى الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية لإرسال لجان رقابة وتقصي حقائق، للوقوف على حقيقة “أوضاع الأسرى، ووقف ما يتعرضون له من ممارسات وحشية”.
كما طالب سلطات الاحتلال بالكشف الفوري عن مصير معتقلي غزة، والأسرى المختفيين قسريًا، وسرعة تسليم جثامين الشهداء المحتجزة، ومحاكمة المجرمي المسؤولين عن قتلهم داخل السجون ومراكز الاحتجاج.
وفسر “كممجي” الوحشية التي يعامل بها الأسرى في السجون، من واقع موقف تعرض له في سجونهم، فقال: “جاء ضابط من جهاز الاستخبارات المحسوب على مصلحة السجون، وسألته: لما تعاملون الأسرى بهذه الطريقة؟ لما تجبرون الأسير الانحناء أمام السجان، والمشي بطريقة تشبه طريقة الركوع لله، وتذلونهم وتعتدون عليهن؟
فحكى لي عن شيخ عجوز شاهده بعينه، واعتقدت أنه يحكي لي ليخبرني بأنه منع عنه ذلك الإذلال، لكنه واصل حديثه فقال: إن الرجل كان يبلغ من العمر سبعين أو ثمانين عاما، ولا يوجد في رأسه إلا الشعر الأبيض، رأيته منحني، دون أن أستطيع أن أفعل له شيء، لأن تلك طبيعة النظام والقانون الجديد لدينا؛
فقلت له: أنت تشرح لي منذ ساعة لكي تقول أنا ذلك المسن ينحني أمامكم، ما اللذة في ذلك، سوى إرضاء شعور السادية والنرجسية لديكم”.
وأضاف: “تجرأت وقلت هذا الكلام للرجل، لأنه ضابط استخبارات، وظيفته ترك الأسير يعبر عما بداخله، ليدرس شخصيته، فيعرف هل الأسرى في حالة قريبة من الانفجار أم لا؛ أما إن كنت قلت هذا الكلام للسجان لكنتم الآن تترحمون علي، ضمن قوائم الشهداء”.
وتابع: “تلك هي عصابة بن جفير وسموتريتش ونتنياهو، وهم مصاصوا دماء هذا العصر، الذين يقتلون الفلسطيني لمجرد إرضاء نزعة القتل، ولحسابات شخصية منبعها الحفاظ على مقاعدهم في الكنيست والحكومة؛ فقديما حين كان يقاتلنا هذا العدو، بسبب هدفه من احتلال الأرض، كان يبدو ذلك طبيعيا، لكنه اليوم يقتلنا لحساباته السياسية فقط، فأصبحنا بالنسبة له لعبة بوكر، ندخل في حسابات المكسب والخسارة”.
اغتيال عمد
باعتباره شاهد عيان على جرائم القتل العمد، التي يرتكبها الاحتلال بحق الأسرى، فصل “كممجي” في تصريحاته، تعرضه بشكل شخصي، لكم كبير من محاولات الاغتيال العمدي، آخرها قبيل الإفراج عنه، فقال: ” بشكل شخصي، تعرضت لكم كبير من محاولات الاغتيال داخل السجن، كان آخرها في 29 يوليو الماضي، قبل الإفراج عني بحول ثلاثة شهور تقريبا، وعلى جسدي تظهر أثار التعذيب المبرح، فتكسرت أسناني، ويدي، وعلامات الضرب تظهر على جسدي، فقد كنت أفقد الوعي أثناء الضرب، وأفيق من فرط الضرب، الذي لا يثنيهم عنه فقداني الوعي؛
وفي بعض الأحيان يستيقظ الأسير على أنواع بشعة من الآلام، وكلما خفتت وطأة ألم يبدأ الألم الجديد يخرج، وعلى سبيل المثال: ألم تكسير الضلوع- لا كتبه الله على أحد- يغطي على كل الآلام، وحينما تبدأ حدته في الخفوت بعد شهر من الإصابة، تظهر آلام الجسد الأخرى، التي لم يكن يشعر بها الأسير أو يعلم بوجوده وقوته، بسبب ألم أضلاعه الكبير، الذي غطى على كل ألم آخر”.
بشكل عام الأسرى الذين تكسرت أضلاعهم وأياديهم وجماجمهم، وبعضهم سقط في غيبوبة، أو حتى أولئك الذين تعرضوا لضرب مبرح دون أن يتعرضوا لكسور، كل منهم له قصته وحكايته وروايته؛
هذا عدو لا يرقب فينا إلا ولا ذمة، ولا يرحمنا بأي شكل من الأشكال، فأنا شخصياً خرجت من قعر جهنم أو سقر إسرائيل، فما رأيناه من الويل والعذاب لا يكفي أن يتحدث عنه المرء ليل نهار لسنوات، ولا يفيه جزء من حقه وصف، عن اللي شافه ما راح يوصفه ولا يعطيه”.
وأضاف: “الألم عشته لحظة بلحظة، رأيت أمامي أسير اسمه أشرف العسلي أو العسولي، عرفت اسمه من أحد السجانين، الذين ربطت بيني وبينه علاقة إنسانية، حيث يعرفني من أيام عملية النفق، وقد أبدى إعجابه بعملية الهروب، ودائما ما قال لي لقد صنعتم معجزة، وحينما رأيته بالصدفة سألته عن اسم الأسير، لأكون شاهدا على قصته، وأحكيها يوما من الأيام للناس، فقد دخل أمامي ما يسمونه بالعيادة، وهي في الحقيقة مسلخ، وخرج على نقالة مكفنا بكيس أسود، لحظتها تصورته أشيرا شهيدا منذ زمن، وحينما سألت عنه علمت أنه الأسير الذي دخل أمامي، قتل بين يوم وليلة”.
واختتم روايته عن القتل العمد فقال: “حالات لا يستطيع أعظم كتاب الرواية والسيناريو والمفكرين تدوينها، ولا أعظم الشعراء يستطيع نشرها أو قول قصيدة فيها، حالات الصمت أبلغ ما يصفها ويكفي أن رب العالمين يراها”.
جرائم ممنهجة
نددت حركة حماس بجريمة قتل الأسرى الثلاثة، معتبرة إياها دليلًا جديداً على حجم الجرائم الممنهجة، التي يرتكبها الاحتلال بحق الأسرى، بعيدا عن الرقابة الدولية والمحاسبة، مشددة على أهمية التحرك العاجل والضغط على الاحتلال للكشف عن مصير الأسرى المختفين قسريًا، وتسليم جثامين الشهداء المحتجزة، ومحاسبة القتلة والمجرمين مرتكبي تلك الجرائم.
كما طالبت بالضغط القوي على الاحتلال، لإجباره على وقف تلك الجرائم، التي تضرب بعرض الحائط كافة الأعراف الدولية والقوانين.
وفي هذا، قال “كممجي”: “يجب أن يقف العالم أمام مسئولياته، فهناك شعب يباد وجميعنا شاهد حادثة الاعدام بدم بارد في جنين، قبل نحو أسبوعين، وبالمثل أهل غزة يموتون يوميا من البرد وأبنائهم تقتل في السجون، والعالم يصمت أمام ذلك، كأننا شعب ليس له قيمة، أين العالم؟ أين القانون الدولي؟”
واختتم حديثه، قائلا: “أحد الشهداء الذين أعلن عنهم اليوم شيخ ستيني، هذا ليس الخبر، فالخبر الحقيقي هو كيف..؟ هل قتله ابن 20 سنة؟ ودهس كرامته ولحيته وأهانه، أم قتله مدير السجن؟ أم قتله كوبي يعقوبي مدير الشاباص؟ فجميعهم كانوا يتلذذون بعذاباتنا داخل السجون، والعالم يكتفي بالمشاهدة، كأنه يتابع فيلم أكشن، ويكفي أن يرتفع الأدرينالين لحظة مشاهدته الخبر، ثم يغلق الشاشة كأنه يشاهد إعلان دعائي لمنتج”.




