تقرير: سمر صفي الدين
أعاد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته تسليط الضوء على فنزويلا كرمز للصراع بين مشروع الهيمنة الأمريكية ومحاولات الاستقلال السياسي في الجنوب العالمي.
تاريخيًا، لم تكن علاقة مصر بأمريكا اللاتينية علاقة دبلوماسية تقليدية فحسب، بل اتسمت منذ خمسينيات القرن الماضي ببعدٍ تحرري واضح، خاصة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فقد نظرت القاهرة إلى حركات التحرر في كوبا، وفنزويلا، وتشيلي، وبوليفيا باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لنضال شعوب آسيا وإفريقيا ضد الاستعمار والإمبريالية.
في هذا السياق، حظيت تجربة سيمون بوليفار، محرر أمريكا الجنوبية، بمكانة رمزية خاصة في المخيال السياسي المصري، ولم يكن وضع تمثال بوليفار في وسط القاهرة على مقربة من مقر جامعة الدول العربية وميدان التحرير، مجرد لفتة ثقافية، بل رسالة سياسية تعكس انحياز مصر التاريخي لرموز التحرر الوطني في العالم.
فنزويلا رمز لا دولة بعيدة
رغم محدودية العلاقات المباشرة بين مصر وفنزويلا، فإن الأخيرة احتلت موقعًا رمزيًا يتجاوز الحسابات المادية المعروفة، ففنزويلا، منذ عهد هوجو تشافيز، قُدمت في الخطاب السياسي المصري –الرسمي وغير الرسمي– كدولة تتحدى الهيمنة الأمريكية وتسعى لصياغة نموذج سيادي مستقل، حتى وإن كان هذا النموذج محل جدل داخلي وخارجي.
من هذا المنظور، لا يُقرأ استهداف مادورو اليوم فقط كملف حقوقي أو قانوني، بل كحلقة جديدة في سياسة الضغط القصوى التي مارستها واشنطن ضد أنظمة تعتبرها “متمردة” على النظام الدولي الليبرالي، وهو ما يلامس ذاكرة مصرية حساسة تجاه التدخلات الخارجية وتجارب إسقاط الأنظمة.
كما ينظر إلى إعلان ترامب بشأن مادورو وزوجته يندرج، وفق كثير من المراقبين، ضمن منطق توظيف السياسة الخارجية لأغراض داخلية أمريكية، حيث تُستخدم “فنزويلا” كورقة لإرضاء تيارات محافظة ومعادية لليسار في أمريكا اللاتينية، غير أن هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان في القاهرة نماذج سابقة من استخدام القانون الدولي كأداة سياسية، وهو ما خبرته مصر ودول الجنوب مرارًا.
لماذا يهم هذا مصر؟
أهمية فنزويلا بالنسبة لمصر لا تكمن في وزنها الاقتصادي، بل في رمزيتها السياسية، فالقاهرة، التي ساندت تاريخيًا حركات التحرر في أمريكا الجنوبية، ترى في استهداف فنزويلا استمرارًا لنمط دولي يعاقب الدول الخارجة عن الطاعة الاستراتيجية، كما أن استحضار النخب المصرية، رمزية بوليفار في القاهرة يذكر بأن مصر لم تكن يومًا بعيدة عن قضايا “الجنوب العالمي”، حتى وإن اختلفت السياقات والأنظمة.
وبالتالي فإن اعتقال مادورو يمثل لحظة تستدعي تاريخًا طويلاً من التضامن الرمزي مع ثورات أمريكا الجنوبية، من تمثال بوليفار في قلب القاهرة، إلى المواقف المصرية الداعمة لمبدأ السيادة وعدم التدخل، تظل فنزويلا حاضرة في الوعي المصري بوصفها فكرة أكثر من كونها دولة، وهي فكرة التمرد على الهيمنة الإمبريالية، بكل ما تحمله من نجاحات وإخفاقات.
سيمون بوليفار
ولد سيمون بوليفار في 24 يوليو 1783 في كاراكاس بفنزويلا لعائلة أرستقراطية، وفقد والديه في سن مبكرة، فتولى عمه تربيته وتوفير التعليم المناسب. وتلقى بوليفار توجيهًا من معلمه سيمون رودريغيز، الذي قدم له الفكر الليبرالي وعالم الفلاسفة الأوروبيين مثل روسو وفولتير، ما شكّل عقيدته السياسية ورؤيته للتحرر والعدالة.
وأرسل بوليفار إلى أوروبا في سن السادسة عشرة، حيث عاش في إسبانيا وفرنسا، وتعرض لتجارب هامة، بينها تتويج نابليون الأول، الذي ألهمه بسعيه للمجد والسيادة الوطنية. كما التقى بالعالم الألماني ألكسندر فون همبولت، واطلع على حالة المستعمرات الإسبانية، ما رسخ في ذهنه فكرة استقلال أمريكا اللاتينية والتحرر من السيطرة الإسبانية.
بداية الاستقلال
شارك بوليفار في اجتماعات وطنية أفضت إلى إعلان استقلال فنزويلا في 5 يوليو 1811، وتولى قيادة الدفاع عن ميناء بورتو كابيلو. تعرض لاحقًا لهزائم وأسر على يد القوات الإسبانية. وخلال فترة المنفى كتب “رسالة جامايكا”، مؤكدًا على أن الحرية للشعوب أمر حتمي، واستعاد لاحقًا فنزويلا بعد سلسلة معارك حاسمة، وحصل على لقب “المحرر”.
وقاد بوليفار حملات عسكرية لتحرير كولومبيا، الإكوادور، بيرو، وبوليفيا، وشكل جمهورية كولومبيا الكبرى، مؤكدًا على حلمه بتوحيد القارة الجنوبية رغم التحديات السياسية الداخلية والصراعات على السلطة.
الرمزية في القاهرة
جاء تمثال بوليفار إلى القاهرة في 1979 كهدية من فنزويلا، ليقف في ميدان يحمل اسمه قرب ميدان التحرير، رمزًا للصداقة والديمقراطية ونضال الشعوب ضد الظلم.
ونصب التمثال في منطقة جاردن سيتي بالقاهرة يوم 11 فبراير 1979، في احتفالية حضرتها زوجة رئيس فنزويلا آنذاك دونا بلانكا رودريغيز ده پريز. ويبلغ وزن التمثال البرونزي 500 كيلوجرام، وارتفاعه 2.3 متر، وقد قام بعمله النحات الفنزويلي كارملو تباكو؛ أما القاعدة المصاحبة والتي نقش عليها عبارة “المجد أن تكون عظيماً، ومفيداً”، فهي من صنع مانويل سيلڤيرا بلانكو.
وأعيد افتتاح التمثال مرة أخرى في أبريل 2010 بعد تجديده بمناسبة العيد المئوي لاستقلال فنزويلا، حيث وضع السفير الفنزويلي بالقاهرة إكليلاً من الزهور أمام التمثال.
إرثه التاريخي
كان سيمون بوليفار قائدًا ثوريًا وسياسيًا من فنزويلا، له الفضل في تحرر كثير من دول أمريكا اللاتينية من الحكم الإسباني. ساهم في تحرير جمهورية كولومبيا وإعلان استقلالها من خلال قيادة جيش صغير مكون من 2500 محارب عام 1822، وبعد أربع سنوات نجح في إقامة حلف يضم دول أمريكا الإسبانية، قبل أن يتوفى عام 1830.
ويقع ميدان سيمون بوليفار ضمن مشروع “القاهرة الخديوية” التابع لوزارة الثقافة، الذي يهدف إلى حماية آثار القاهرة في القرن التاسع عشر.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
