البلشي: مد مظلة الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة ضرورة لضبط السوق ومواجهة منتحلي الصفة.. والحسم عبر الجمعية العمومية
فتح نقيب الصحفيين خالد البلشي، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، ملفاً شائكاً داخل الجماعة الصحفية، يتعلق بأزمة قيد الصحفيين العاملين بالمواقع الإلكترونية، مؤكداً أن مستقبل المهنة يفرض التعامل الجاد مع التشوهات التي لحقت بسوق الصحافة، بدلا من تركها تتفاقم.
وجاء طرح البلشي في أعقاب أزمة تقدم الإعلامي شريف عامر بأوراقه إلى لجنة القيد بنقابة الصحفيين، والتي أعادت إلى الواجهة قضية أوسع تتعلق بآلاف الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية وغير المقيدين بجداول النقابة، رغم اعتراف القانون بالصحافة الإلكترونية.
وأكد نقيب الصحفيين أن الأزمة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حالة فردية، وإنما كمدخل لفتح نقاش مؤسسي حول مستقبل القيد والحماية النقابية، مشددًا على أن معالجة «جراح المهنة» لا تكون بالتغطية عليها، وإنما بمواجهة أسبابها ووضع حلول قانونية ومؤسسية قابلة للتطبيق.
أزمة القيد.. جرح مؤجل
وأوضح البلشي أن أزمة تقدم شريف عامر للقيد كشفت من جديد قضية حرمان قطاعات من ممارسي المهنة من الحماية النقابية، وفي مقدمتهم الصحفيون العاملون بالمواقع الإلكترونية والمتدربون.
وأشار إلى أن القانون رقم 180 لسنة 2018 اعترف بالصحافة الإلكترونية والرقمية ووضع تعريفات واضحة لها، إلا أن قطاعًا واسعًا من العاملين بها لا يزال خارج مظلة نقابة الصحفيين، وهو ما يستدعي البحث عن مخارج قانونية تحافظ على قوة النقابة وتضمن في الوقت نفسه حقوق ممارسي المهنة الحقيقيين.
وأضاف أن الأزمة كشفت كذلك عن حجم الغضب لدى قطاعات من الصحفيين الذين يرون أن لهم حقًا مشروعًا في الحماية النقابية، داعيًا إلى تجاوز حالة الانفعال نحو نقاش مهني جاد يراعي مصالح جميع الأطراف.
خطوات للنقابة.. ومطالب بتحويلها إلى مسار مؤسسي
واستعرض نقيب الصحفيين عدداً من الخطوات التي اتخذها المجلس الحالي تجاه غير النقابيين من ممارسي المهنة، من بينها إعلان الدفاع عن جميع ممارسي الصحافة، والتفاعل مع شكاواهم، والتدخل في قضايا العمل، والدفاع عن حقهم في ممارسة المهنة.
كما أشار إلى فتح أبواب النقابة أمامهم، وإتاحة فرص التدريب، والدفاع عن بعض المحبوسين من غير النقابيين، إلى جانب المطالبة بتفعيل النصوص القانونية المتعلقة بالمتدربين، وإلزام الجهات بإرسال قوائم بأسمائهم كأحد شروط قبول القيد مستقبلًا.
وأكد أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تحتاج إلى الانتقال من المبادرات إلى فعل قانوني ومؤسسي يتيح مد الحماية النقابية بصورة منظمة ومدروسة.
ضبط السوق ومواجهة انتحال الصفة
ويرى البلشي أن توسيع مظلة الحماية النقابية لا يمثل مجرد استجابة لمطالب صحفيي المواقع، بل يمكن أن يكون أداة أساسية لإصلاح سوق الصحافة ومواجهة ظاهرة انتحال الصفة.
وأوضح أن وجود الصحفيين الحقيقيين داخل إطار نقابي واضح يتيح للنقابة ممارسة دورها في المحاسبة والانضباط المهني، في الوقت الذي يمكن فيه وضع شروط صارمة تحول دون استغلال المواقع الإلكترونية كطريق خلفي للحصول على العضوية.
واقترح أن يقتصر القبول على المؤسسات ذات البناء المؤسسي الحقيقي، والتي تضمن علاقة عمل واضحة وأجرًا عادلًا واستمرارًا نسبيًا في العلاقة المهنية، مع تحديد أعداد المقبولين وفقًا لحجم وطبيعة كل مؤسسة.
إعادة تفسير القانون بدلًا من تعديله
طرح نقيب الصحفيين مسارًا آخر للحل، يتمثل في إعادة تفسير النصوص القانونية القائمة بما يتناسب مع التطورات التي طرأت على الصحافة، بدلًا من الدخول في تعديلات تشريعية قد تفتح الباب أمام تغييرات غير محسوبة.
وأشار إلى أن قانون نقابة الصحفيين الصادر عام 1970 وضع فلسفة تهدف إلى مد الحماية للعاملين في المهنة، وفق أشكال العمل الصحفي المتاحة في ذلك الوقت، لافتًا إلى أن القانون لم يقف عند الصحافة المطبوعة وحدها، بل شمل صحفيي وكالات الأنباء.

واستند البلشي إلى أن مفهوم الصحافة شهد تطورات متتالية، من الصحافة الحزبية والخاصة إلى مواقع الصحف الورقية ثم الصحافة الرقمية، وأن الجمعية العمومية للنقابة سبق أن تعاملت مع هذه التحولات من خلال توسيع تفسير النصوص بما يتلاءم مع تطور المهنة.
الجمعية العمومية صاحبة القرار
وشدد نقيب الصحفيين على أن أي تصور بشأن مستقبل القيد يجب ألا يُفرض من أعلى، وإنما يمر عبر نقاش ديمقراطي داخل النقابة، وتحديدًا من خلال الجمعية العمومية.
وأكد رفضه لأي محاولة لفرض حلول قسرية على الجماعة الصحفية، معتبرًا أن مجلس النقابة قيادة منتخبة وليس سلطة فوق الجمعية العمومية.
ودعا إلى عقد جلسات مفتوحة تضم مختلف الأطراف، لمناقشة سبل مد المظلة النقابية ووضع الضوابط اللازمة، على أن يكون القرار النهائي من اختصاص الجمعية العمومية.
المواقع الإلكترونية.. سوق جديد لمواجهة البطالة
ولفت البلشي إلى أن المواقع الإلكترونية أصبحت جزءًا أساسيا من سوق الصحافة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها صناعة الصحافة الورقية وارتفاع تكاليف الطباعة وتراجع البنية التحتية للتوزيع.
وأكد أن المؤسسات الرقمية يمكن أن تمثل مجالًا لاستيعاب أعداد جديدة من الصحفيين، فضلًا عن الاستفادة من الخبرات الموجودة بالمؤسسات التقليدية التي تعاني من تقليص أعداد العاملين.
وأشار إلى أن إخضاع المؤسسات الرقمية للقواعد القانونية والنقابية يمكن أن يسهم في خلق سوق أكثر تنظيمًا، ووضع حد أدنى من المعايير المهنية، وإلزام العاملين بالتدريب والتطوير المستمر.
تنقية جداول النقابة ومواجهة «تجارة العضوية»
وأكد نقيب الصحفيين أن مد الحماية النقابية، بالتوازي مع تشديد شروط القيد، يمكن أن يساعد النقابة في تنقية جداولها ومواجهة ما وصفه بـ«تجارة العضوية».
وأوضح أن ضيق سوق الصحافة الورقية دفع بعض المؤسسات إلى التوسع في الأشكال الشكلية للحفاظ على فرص القيد، بينما يمكن أن يؤدي الاعتراف المنظم بالصحافة الرقمية إلى توجيه الموارد نحو تطوير المؤسسات ومحتواها ووسائطها بدلًا من استغلال أحلام الراغبين في الالتحاق بالنقابة.
كما رفض التخوف من أن يؤدي فتح الباب أمام المواقع إلى دخول غير المهنيين، مؤكدًا أن الحل يكمن في وضع معايير دقيقة لقبول المؤسسات والعاملين بها، وليس في إغلاق الباب أمام قطاع كامل من ممارسي المهنة.
مواجهة الانقسام داخل الجماعة الصحفية
وحذر البلشي من خطاب المقارنة بين أعضاء النقابة والصحفيين غير النقابيين، معتبرًا أن مثل هذه المقارنات قد تؤدي إلى تعميق الانقسام داخل الجماعة الصحفية.
وأكد أن الدفاع عن حق الصحفيين العاملين بالمواقع لا يجب أن يتحول إلى انتقاص من حقوق أعضاء النقابة، كما أن الحفاظ على مكتسبات النقابيين لا ينبغي أن يكون مبررًا لاستمرار حرمان ممارسين حقيقيين للمهنة من الحماية النقابية.
المستقبل يفرض نفسه
وخلص نقيب الصحفيين إلى أن مستقبل الصحافة يفرض على النقابة التعامل مع التحولات الرقمية بدلًا من الاحتماء بتفسيرات جامدة لنصوص وُضعت في ظروف مختلفة.
وأكد أن مواجهة منتحلي صفة الصحفي لن تكتمل، من وجهة نظره، إلا بوجود آلية واضحة تميز بين الممارس الحقيقي للمهنة ومنتحل الصفة، وتمنح النقابة القدرة على ضبط السوق ومحاسبة المتجاوزين.
ودعا البلشي إلى بدء نقاش عاجل داخل أروقة النقابة، من خلال جلسات مفتوحة لجميع الأطراف، لبحث العقبات والحلول الممكنة بشأن مد المظلة النقابية لممارسي المهنة الحقيقيين، مع التأكيد على أن أي حلول أو تعديلات لا بد أن تمر عبر الجمعية العمومية.
وبذلك، أعاد نقيب الصحفيين ملف قيد صحفيي المواقع الإلكترونية إلى صدارة المشهد النقابي، ليس باعتباره أزمة قيد مرتبطة بشخص أو حالة بعينها، وإنما باعتباره سؤالًا أوسع حول شكل نقابة الصحفيين ومستقبل المهنة ومن يملك حق تمثيل العاملين بها في عصر الصحافة الرقمية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم