أحمد فؤاد يكتب: حين تنكشف حقيقة الدنيا

ليست الدنيا بما فيها من مالٍ أو جاهٍ أو مناصب هي الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، وإنما هي ممرٌّ قصير، يمتحن الله فيه القلوب قبل الأعمال، ويكشف فيه صدق النفوس في الرضا والصبر والشكر.

ومع مرور الأيام، يكتشف الإنسان أن كثيرًا مما كان يظنه ضرورةً في حياته لم يكن كذلك، وأن الله إذا أعطى أعطى بحكمة، وإذا منع منع برحمة. فما من أمرٍ تعلقت به النفس إلا وقدّره الله في وقته إن كان فيه خير، وما صرفه عنها إلا ليغرس في القلب قناعةً وزهدًا ورضًا، حتى يبلغ المؤمن مرحلةً لا يشعر فيها أنه فقد من الدنيا شيئًا يستحق الأسى.

إن الخسارة الحقيقية ليست في ضياع فرصة، ولا في نقص مال، ولا في تأخر منصب، وإنما الخسارة أن يلقى الإنسان ربَّه وقد أثقلته المظالم، أو لوثت صحيفته حقوق العباد، أو حمل قلبه ضغائن وحسدًا ومكرًا وخداعًا.

أما الربح العظيم، فهو أن يقف العبد بين يدي الله بقلبٍ سليم، وصحيفةٍ نقية، لا ظلم فيها ولا اعتداء، وأن يكون قد عاش بين الناس بالإحسان والصدق وحسن الخلق، راجيًا رحمة الله قبل كل شيء.

ولعل أبلغ ما يعلّمنا هذا المعنى دعاء نبي الله يوسف عليه السلام، الذي آتاه الله الملك والتمكين بعد الابتلاء، فلم تكن غايته دوام السلطان ولا بقاء النعيم، وإنما توجّه إلى ربه قائلًا: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101].

إنها رسالة لكل من أنهكته سباقات الدنيا؛ فالسعادة ليست في كثرة ما نملك، وإنما في سلامة القلب، وصدق العلاقة مع الله، وحسن معاملة الناس. ومن أدرك هذه الحقيقة خفَّ حمله، واطمأن قلبه، وأصبح أكثر استعدادًا للقاء ربه.

فمن أحب لقاء الله بالطاعة والإخلاص، ورجا رحمته، وعمل لما بعد الموت، هانت عليه زينة الدنيا، وأصبح همه الأكبر أن يختم حياته على الإسلام والإيمان، وأن يكون من أهل الصلاح والرضوان.

احمد فؤاد عثمان محرر أخبار [ الملف الديني ] { وزارة الأوقاف و دار الإفتاء المصرية }

اترك رد